الأربعاء، 15 مارس 2023

إعدام شعب

 

اسم الكتاب: إعدام شعب 

المؤلف: محجوب عمر باشري






* محجوب عمر باشري (1925-2008) أستاذ لغة إنجليزية ومترجم وكاتب، ومن أشهر كتبه (رواد الفكر السوداني) الذي يُعد مرجعاً مُهماً في التاريخ الفكري والثقافي للنصف الأول من القرن العشرين في السودان، وقد وثق فيه لحياة أو لنشاط مايزيد عن الـمائة رائد سوداني في مجالات مختلفة، عبر مقالات سِيريّة اعتمد فيها، كما يذكر، على انه كان شاهد عصر لبعض هؤلاء الرواد وقارئاً أو متصلاً بما كتبه أولئك الذين لم يشهدهم، وفي كتابه هذا (إعدام شعب) وانطلاقاً من ذات موقع الشاهد، يُقدم شهادة مُؤلمة عن خراب مؤسسة الرئاسة والحكم خلال سنوات مايو (1969-1985) وكان قد شغل في 1970 وظيفة كبير مترجمي القصر الجمهوري أو قصر الشعب كما كان يسمى يومها، فنقرأ في كتابه/شهادته كيف اُختِير جعفر محمد نميري لرئاسة انقلاب لم يُخطِّط له، لينفرد خلال عامين بحكم السودان، بعد تدبير تخريجة دستورية وإدارية، أعدها كل من د. جعفر محمد علي بخيت ود. منصور خالد وأحمد عبد الحليم، مكنته من تركيز كل السلطات في يده، واستطاع التحكم في وزرائه بعد أن اغراهم بالمركز والمرتب والامتيازات، وقد تميز نميري كما يقول محجوب باشري بقدرة على معرفة شهوات وأطماع البشر، فكان يمهد طريق النهب لمن يريد المال ويرفع من يريد المركز مكاناً عالياً، وكانت بحوزته ملفات لكل سلوك مسؤوليه وأسرهم، فجعلته هذه الملفات لا يتهيب أن يضرب وزيراً أو يشتمه وأن يعزل آخراً من منصبه ثم يعيده ثانيةً، والتفت حوله مجموعة من رجال المال والأعمال، كانوا قد أقاموا له حفلاً ضخماً لتهنئته بضربه للشيوعيين، واستطاعت ان تسيطر على الاقتصاد بمعزل عن مؤسساته الحكومية المختصة، ويشير الكتاب أيضا لجبن نميري إبّان أحداث/انقلاب الجبهة الوطنية في 1976، حيث اختفى لثلاثة أيام، انتصر خلالها وزير داخليته عبد الوهاب إبراهيم سليمان على الحركة المسلحة وأعاد مقاليد السلطة لمايو، وذهب ليبحث بعد ذلك عن نميري المختفي في ود مدني، كما يتحدث عن إصابته بهزة عصبية، بعد انقلاب/أحداث 19يوليو 1971، دفعته للإيمان بالسحر والخرافات وارتمائه في أحضان الشيوخ، الذين كان يسعى للقاءهم في كل ارجاء السودان، ويذكر المؤلف انه بعد أيام من إعدام الشهيد محمود محمد طه أصابت نميري حالة من الفزع، إذ أخبره أحد دراويشه بإن لطه خُدَّام يريدون ثأره، وكان يصيح وهو يردد أن شيطاناً يتهدده بالقتل، فطلب من سلطات سجن كوبر أن تدله على مكان الجثة، التي كان قد قُذف بها على ساحل البحر الأحمر، وبالفعل وجدها وقام بتقبيل رأس طه والصلاة عليه وتكفينه ودفنه بنفسه، كما يقول المؤلف، الذي كتب في صفحات كتابه الأولى انه سيقص علينا قصة مأساة نظام مايو، الذي أفقر البلاد وأشرع الأبواب للفساد، وهي ذات المأساة التي لا تزال فصولها تتواصل إلى اليوم. صدر هذا الكتاب في 1992 عن دار الجيل في بيروت.

الأربعاء، 22 فبراير 2023

ذكريات وتجارب دبلوماسية

 

اسم الكتاب: ذكريات وتجارب دبلوماسية

المؤلف: د. عطا الله حمد بشير



* د. عطاء الله حمد بشير (1945-2019) دبلوماسي سوداني ولد في قرية ملواد نواحي دنقلا، وتلقى تعليمه الابتدائي والأوسط في شمال السودان والثانوي في مدرسة وادي سيدنا ثم في جامعة الخرطوم، والتحق بوزارة الخارجية في 1970 لينال خلال عمله الدبلوماسي ماجستير العلاقات الدولية في 1979 بأمريكا ودكتوراة السياسة والتنمية في 1986 برومانيا، وفي هذه المذكرات سيرة شيقة لمسيرة تعليمه وعمله وانقطاعه عن حياة القرية والعيش في المدينة، جاءت بالباب الأول، وقد كتب د. منصور خالد في تقديمه للمذكرات (قرأت ماكتب السفير وأنا مشدود إلى ماكتب وتعلمت منه الكثير خاصة عن البيئة التي نشأ فيها، وجغرافيتها الطبيعية والبشرية، ووسائل كسب العيش فيها، والضنك الذي كان يعانيه أهلها). وجاء الباب الثاني حول تجربة عمله الدبلوماسي التي أمتدت لأربعين عاماً، ليكون بذلك صاحب تجربة مهنية طويلة، وقد نقلت مذكراته معلومات كثيرة عن علاقة السودان بمجموعة من الدول التي عمل بها، مثل الكويت وايطاليا ورومانيا والمانيا الشرقية وكوريا الجنوبية وهولندا وأثيوبيا والمملكة العربية السعودية، كما أخبرت المذكرات بالكثير عن السياسات الخارجية غير الحكيمة للسودان أو لحاكميه، وللكثير من التدخلات غير المهنية في عمل وزارة الخارجية، خاصةً في فترة حكم الانقاذ التي أوجدت بدعة السفراء الرساليين، ليُحرم السودان بسبب تلك السياسات من فرص استفادته من علاقاته الدولية، وليصبح مفعولاً به ومُمثَّلاً به كما يقول المؤلف، وهو الذي كان متاحاً له بحكم عضويته المبكرة في المنظمات الدولية، أن يكون فاعلاً قوياً ومُمثِّلاً قادراً لنفسه ولمحيطه العربي والأفريقي. وجاء الباب الثالث حول تجربة عمله أميناً عاماً لمنظمة الإيقاد، التي كان السودان قد دفع بفكرتها في 1986 لمجابهة تحديات موجات الجفاف والتصحر التي اجتاحت دول القرن الأفريقي في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، ثم تطورت المنظمة لتعني بالسلام والأمن والتعاون الاقتصادي والاجتماعي والأمن الغذائي والزراعة، ورغم تقدم المؤلف في عمله وإعادته بعضاً من الفاعلية لنشاط المنظمة، إلا انه يشير لضعف فاعليتها ويرجع ذلك لـ : شمولية وديكتاتورية النظم الحاكمة في بلدان المنظمة السبع (السودان واثيوبيا وجيبوتي وإريتريا ويوغندا وكينيا والصومال) ولعدم وجود أي روابط أو علاقات صداقة بين رؤساء تلك الدول، بل إن مايشوب علاقاتهم هو الحساسياي المفرطة والتنافس وتبادل العداء بين بعضهم، ولعدم توفر الإرادة السياسية لدى قادة ونظم وشعوب دول إقليم القرن الأفريقي، ولانتشار الحروب الثنائية والنزاعات الداخلية في مجمل دول الإقليم. صدر هذا الكتاب في 2017 بالخرطوم على نفقة المؤلف وهو من قام بتصميم غلافه، فهو فنان تشكيلي يهوى الرسم والتلوين، وقد جاءت بعضاً من أعماله التشكيلية في صفحات الكتاب الأخيرة.


الخميس، 20 أكتوبر 2022

كيم




* رديارد كيبلنج (1865-1936) شاعر وروائي إنجليزي نال جائزة نوبل في 1907، ولد في الهند وكان يُعرف بـ"شاعر الإمبراطورية البريطانية" فهو مدافع صريح عن الإستعمار، وفي قصيدته الشهيرة " عبء الرجل الأبيض" يحث ذلك الرجل أو أولئك المستعمرين البيض لتحمل عبئهم في ترقية تلك الشعوب التي استعمروها ونصف واحدهم شيطان ونصفه الآخر ذا نزعة طفولية، وفي السودان يعرف كثيرون كيبلنج بسبب قصيدته (فزي وزي) التي دبجها في مديح فرسان البجا/السودانيين، الذين خاضوا المعارك تحت إمرة الأمير عثمان دقنة إبان حروب الثورة المهدية، وفي هذه الرواية، التي صدرت في 1901، يحتل كيم موقع الشخصية الرئيسية، وهو صبي يتيم يتنازعه الولاء بين حبه للهند التي ولد ونشأ فيها وبين واجب انتماءه العرقي الأيرلندي-الإنجليزي، الذي فرضه عليه تورطه في العمل لصالح جهاز الإستخبارت البريطانية في آسيا، وهو يتميز بالذكاء والشقاوة وحب المغامرة، الأمر الذي يدفعه لصحبة راهب بوذي يطوف في أرجاء الهند في رحلة حج أو بحث عن الذات، وتعمر بينهما عرى المحبة ويتخذه الراهب تلميذاً، بل ويتكفل بمصاريف قبوله العالية في ثانوية مرموقة تقدم خدماتها لأبناء الإنجليز والأعيان في الهند، وفي الرواية يلتقي كيم بهنود وإنجليز من طوائف دينية مختلفة، ويستطيع أن يخلب لب كل ذلك الطيف المتنوع من الناس، بسبب معرفته بلغاتهم وطرق حديثهم وأساليب حياتهم ومهاراته في التقمص أو التواصل، ومن خلال هذه الرحلة الروحية والاستخباراتية يقدم كيبلنج سرديته لأديان الهند وأحوالها في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، وقد ظلت روايته هذه مثار جدل وقراءة، لم ينقطعا طيلة المائة عام الماضية، لجهة انحيازه الإيديولوجي المعلن ورفعته الأدبية المُتوَّجة، وفي تقديمه لهذه الترجمة وكما هو دأبه في معظم ترجماته يقدم محمد عناني (1939-2023) مقدمة ضافية يعرض فيها ذلك الجدل وتلك القراءات المختلفة التي حظيت بها الرواية، ويختم مقدمته ناقلاً قول أحد النقاد؛ بأن كيبلنج نجح في رسم صور حية للهند بما فيها من قرويين وحجاج ربانيين ولصوص وشحاذين .. واليوم أصبحت حياة أولئك الناس تقع ضمن اهتمامات البحوث التاريخية الحديثة في إطار نظريات مابعد الإستعمار ومناهضة الإمبريالية.

-------------------

الناشر: المركز القومي للترجمة-القاهرة.

تاريخ النشر: 2011


الأربعاء، 17 أغسطس 2022

جوزف أنطون

 



* (قال لنفسه حين هبت العاصفة فوق رأسه: "على الأقل، أنا أدخل المعركة حاملاً الاسم الصحيح". ومن داخل القبر، سلّمه والده الراية التي كان مستعداً كي يقاتل تحتها، راية ابن رشد، التي عبرت عن الفكر والحجة والتحليل والتقدم وتحرر الفلسفة والتعليم من قيود اللاهوت، والتي جسّدت العقل الإنساني ضد الإيمان الأعمى والخضوع والقبول والبلادة. لم يرد أحد أبداً الذهاب إلى الحرب، ولكن إذا جاءت الحرب إليك، من المحتمل أن تكون أيضاً الحرب الملائمة، حول الأشياء الأكثر أهمية في العالم، ويمكنك أيضاً، إذا كنت ستخوضها، أن تدعى رشدي، وتقف حيث وضعك والدك، في التراث الأرسطي المهيب، تراث ابن رشد، أبي الوليد محمد ابن أحمد ابن رشد)


* المقتطف أعلاه من كتاب سلمان رشدي (جوزف أنطون) الصادر عن منشورات الجمل في 2021 بترجمة أسامة إسبر، والكتاب سيرة لأيام حصاره الطويلة التي استمرت لسنوات عديدة، عقب صدور فتوى الخميني 1989 التي جوّزت قتله وقتل كل من يساهم في نشر روايته الآيات الشيطانية، وقد كتب سلمان رشدي في هذه السيرة عن حياته بصيغة الغائب بدلاً عن صيغة ضمير المتكلم، وكان قد اختار خلال تلك السنوات، لدواعي أمنية، كنية (جوزف أنطون) كاسم مستعار له، تكريماً لجوزيف كونراد وأنطون تشيخوف. وكان إحساسه أنه رجل ميت تبقت له شهور أو سنوات قليلة، لكنه كان مستعداً، كما يكتب، لخوض المعركة وهو يحمل الاسم الصحيح، فوالده المفتون بابن رشد كان قد ترك اسم عائلته الهندي منذ زمن وأصبح اسمه أنيس أحمد رشدي.



الاثنين، 30 مايو 2022

الحنين إلى كتالونيا

 




* في أعقاب التمرد العسكري أو الانقلاب الجزئي الذي وقع في إسبانيا في 1936 اندلعت ماتُعرف بـ"الحرب الأهلية الإسبانية" التي استمرت لثلاث سنوات، وقد انخرط الآلاف من المتطوعين الأوروبيين في المقاومة الشعبية التي انتظمت، بين عدة أحزاب وتيارات سياسية إسبانية، وجاء تدفق أولئك المتطوعين لنُصرة قيم الديمقراطية والإشتراكية التي كانت تُمثلها حكومة الجمهورية الثانية المنتخبة، والتي أراد فرانثيسكو فرانكو أحد قادة الانقلاب أن يقطع الطريق أمام مسيرتها، ليتمكن بعد هزيمة الجمهورية واضعاف المقاومة الشعبية، أن ينجح في مسعاه ذاك ويُصبِح حاكماً لمدة 36 عاماً. وكان جورج أورويل (1903-1950) أحد أولئك المتطوعين، بالرغم من أنه قدم لإسبانيا ليكتب تقاريراً صحفية، لكنه انضم لواحدة من ميليشيات المقاومة، وقد بدأ له ذلك هو الفعل المتاح أو الأمر الصحيح، ويصف في كتابه هذا، وهو تقرير صحفي اتخذ قالب السرد الروائي، يصف برشلونة بأنها كانت مدينة يمسك فيها العمال بمقاليد الأمور، والجميع كانوا يتخاطبون فيما بينهم بكلمة يارفيق، لا سيد ولا مَسُود ولا غني ولا فقير، إذ انمحت الفوارق بين الناس، حتى ليصِّف وجوده أو ماعَرِفه بين الإسبان في المناطق المدنية أو في جبهات القتال، بمثابة تجربة أو حالة أولية لحياة الإشتراكية، بالرغم انها كانت شهوراً صعبة في ظل العوز والبرد القارس الذي ضاعفته الملابس المهلهلة لقوات الميليشيات، كما يصف الافتقار المريع للتدريب وللسلاح لدن هذه الميليشيات، التي كانت تأسست سريعاً من قبل الأحزاب والنقابات المهنية لمواجهة التمرد العسكري، ناقلاً قول أحدهم: (هذه ليست حرباً، إنها مسرحية هزلية تتخللها بعض الوفيات أحياناً). ثم يقول إنه حينما قدم إلى إسبانيا لم يكن مهتماً بالوضع السياسي، وكان كل مايعرفه أن هناك حرباً ضد الفاشية وأنه كان يدافع عن الكرامة الإنسانية، ثم يبسط خريطة الصراع السياسي المكونة من جمهوريين ذوي ميول يسارية وشيوعيين يشكلون الحكومة ونقابات عمالية وأناركيون لم يصوتوا في الانتخابات، ولكنهم اشتركوا في الحرب ضد فرانكو، وكانت أضلاع الصراع أو الحرب في ثلاثة جوانب، حرب ضد فرانكو واخرتين خفية تسعى فيهما الحكومة لتحجيم سلطة النقابات العمالية، والثالثة لتصفية الميليشيات المقاومة بذريعة ضعف الكفاءة العسكرية، ثم يبسط  بعد ذلك تحليله لمواقف حكومات دول مختلفة وصحف أوروبية يسارية ويمينية اشتركت، رغم تباين وجهات نظرها، في خذلان المقاومة الإسبانية، ليقول في ختام كتابه إنه يحمل أسوأ الذكريات عن إسبانيا وأجملها عن الإسبان ذوي العرق النبيل الذين لا ينتمون للقرن العشرين، لجهة أناركيتهم الفطرية أو مقتهم الغريزي للسلطة، متمنياً أن تدحر صفاتهم هذه وطأة الفاشية المقبلة، إذ كان كتابه هذا قد نُشر قبل عام من استيلاء فرانكو على الحكم.

-----------------
الناشر: آفاق للنشر-الكويت
تاريخ النشر: 2021

 

الجمعة، 20 مايو 2022

شكسبير ورفاقه

 



* شكسبير ورفاقه اسم مكتبة شهيرة للكتب الإنجليزية توجد في باريس، أسستها سيلفيا بيتش، وهي أمريكية كانت تعمل ممرضة في منظمة الصليب الأحمر ثم انتقلت إلى باريس لدراسة الأدب الفرنسي، وظلت المكتبة تقدم خدماتها في بيع الكتب ودعم الكُتّاب، منذ افتتاحها في 1919 حتى توقفها في 1941، ثم أعاد أمريكي آخر في منتصف ستينات القرن الماضي الاعتبار لها وأسبق اسم (شكسبير ورفاقه) على مكتبته في باريس تكريماً لها، وفي هذا الكتاب تُدون سيلفيا بيتش ذكرياتها عن المكتبة وعمن التقتهم من كُتّاب ومافعلته من أجل الكتب ودعم الكُتّاب، وهي تقول إنها لطالما رغبت في انشاء مكتبة فرنسية في نيويورك، لأنها أرادت للكُتّاب الفرنسيين الذين يعجبونها أن يكونوا معروفين في بلدها، وبالفعل شرعت في ذلك لكن نقص المال، جعلها تقوم بانشاء مكتبتها في باريس بدلاً عن نيويورك، وتحولت رغبتها من تعريف الأمريكيين بالكُتاب الفرنسيين إلى تعريف الفرنسيين بالكُتّاب الأمريكيين، لكن هذه الرغبة أو المهمة توسعت أكثر وأصبحت (شكسبير ورفاقه) مكان يلتقي فيه المثقفين والفنانين من كل الحقول ودليل ومرشد للتعريف بالكتب والكُتاب في اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ومكان يحج اليه السياح الأمريكيين، وكان من رواد المكتبة وأصدقاءها، عزرا باوند وإرنست هيمنجواي وسكوت فيتزجيرالد وأندريا جيد وبول فاليري وجيمس جويس، الذي تعرفت عليه في حفل بأحد بيوت أولئك الرواد، وجاءت أكثر من نصف مذكراتها عنه، إذ توطدت علاقتها به حتى أصبحت بمثابة وكيلته الأدبية وناشرة روايته عوليسس، التي كافحت كثيراً من أجل نشرها بدءاً من ايجاد ناشر لها، وكانت عوليسس ممنوعة في المملكة المتحدة، أو لم تُمنح حقوق طبع بذريعة فحشها، كما قامت بمتابعة طبع المسودات لتقديمها للنشر وارسال الرسائل لعدد من الكُتّاب والقراء، ليشتركوا مسبقاً في شراء الرواية، وقد حظيت رسالتها لجورج برنارد شو برد طريف وساخر، بعد أن لم يستجب لطلبها، واصفاً رواية عوليسس، التي كانت نُشرت متسلسلة أول مرة في مجلة أمريكية، (انها سجل مقزز لطور حضارة مثيرة للاشمئزاز لكنها سجل صادق) ويقول (في أيرلندا يحاولون تنظيف القط بفرك أنفه في قذارته، ولقد جرب السيد جويس العلاج نفسه في الشأن الإنساني، آمل أن ينجح وتثبُت نجاعته) ويخاطب سيلفيا قائلاً ( من الأرجح أنك شابة همجية تفتنها الحماسة والإثارة التي يثيرها الفن على نحو عاطفي) ثم يختم رسالته بالقول إن كنت تتصورين أن أيرلندياً، خاصة من كبار السن، سيدفع 150 فرنكاً في هذا الكتاب، فأنت تعرفين القليل عن أبناء بلدي. وفي المجمل تشرح هذه المذكرات كيف كانت شكسبير ورفاقه أو صاحبتها منارة اشعاع ثقافي وشاهدة على عصر ماتزال أثاره باقية، وقد صدق المترجم في تقديمه حين قال، إن أكثر من عنوان يمكن أن يصلح لهذا الكتاب: سيرة حياة مكتبة أو سيرة حياة رواية أو سيرة حياة عصر.

-------------

الناشر: ترياق للنشر والتوزيع-الرياض

تاريخ النشر: 2021


الاثنين، 9 مايو 2022

رسمتُ خطاً في الرمال

 




* هاني الراهب (1939-2000) روائي وقاص سوري مرموق، نال وهو في الثانية والعشرين من عمره جائزة مسابقة الرواية العربية التي كانت نظمتها دار الآداب البيروتية في 1960 وكانت المهزومون روايته الفائزة بالجائزة أولى أعماله الروائية، لتتوالى بعد ذلك رواياته المُجددة والمُتجددة، وفي هذه الرواية يستدعي شخصية عيسى بن هشام مثقف زمانه وراوي المقامات العربية التي ابتدعها بديع الزمان الهمزاني قبل قرون عديدة خلت، وقد استدعاه محمد إبراهيم المويلحي (1858-1930) في كتابه (حديث عيسى بن هشام) وهنا يستدعيه الراهب بصحبة رفيقه أبو الفتح الإسكندري وشهرزاد راوية ألف ليلة وليلة ورفيقها شهريار، ليقذف بأربعتهم في لجة أحداث القرن العشرين، وقد تَنقّل بهم بين الأرض والسماء طيلة الألف عام الماضية، ناظراً عبرهم لبلاد العرب ومُشخصاً لأحوالهم ومُستخدماً في ذلك، لغة رائقة ومتفجرة تتشوق للعدل والحرية وسرد أسطوري للواقع، حيث نطالع عيسى بن هشام مُعِوزٌاً يلاحق ورقة من فئة المئة دولار كانت طائرة في الهواء، ولم يستطع الامساك بها إلا بعد أن استطالت يده لألف متر، ليذهب بعدها للعمل أستاذاً في جامعة نفيطية س، التي كان الجمل يقضم في كتب مكتبتها ويتجول حراً في أبهاء الجامعة، وقد استخدمت واحدة من تلك النفيطيات شهريار، الذي كان شاغله في السابق توحيد المسلمين أو العرب وتحرير القدس الشريف، استخدمته ليعمل رئيساً لجهاز المطوعين/المُخبرين، وقد تم تزويد جهازه بأحدث تقنيات الكشف التى تستطيع ان تعلم حتى بما يجول في السريرة، وكانت من ضمن مهامه بعد ترؤسه لجهاز المطوعين أن يمنع تدوال كتاب ألف ليلة وليلة بذريعة فحشه وفجوره، لنرى شهرزاد تتبرم من تبدل حال شهريار الذي لم يكتف بذلك المنع بل وفرض عليها الحجاب، فتتوق للفكاك وتلتقي بالخنساء وشجرة الدر وحتشبسوت وبلقيس وزرقاء اليمامة وزليخة وسميراميس، حيث يجتمعن كل مرة عند واحدة منهن ويطلقن أحلامهن وألسنتهن، بعيداً عن عيون الخليفة وعسس شهريار، وقد كشفت تلك الأسطرة للواقع واستدعاء شخصيات عديدة خيالية وحقيقية، في هذه الرواية، عن إبداعية هاني الراهب المتمكنة، كما كشفت أكثر عن هذا الواقع وعن حقائقه المتفسخة.

-------------

الناشر: دار الكنوز الأدبية-بيروت/لبنان

تاريخ النشر: 1999

الثلاثاء، 22 مارس 2022

الرجل الذي أحب الكلاب

 

اسم الرواية: الرجل الذي كان يحب الكلاب

المؤلف: ليوناردو بادورا

المترجم: بسّام البزّار

الناشر: دار المدى للإعلام والثقافة والفنون

تاريخ النشر: 2018



* ليون تروتسكي أو لييف دافيدوفيتش تروتسكي ثوري أوكراني/سوفيتي ومُنظر سياسي، كان أحد أهم قادة الثورة البلشفية في 1917 في روسيا/الاتحاد السوفيتي، ومن أشهر مؤلفاته الثورة المغدورة والثورة الدائمة، أغتيل في المكسيك في 1940، بواسطة شيوعي إسباني كانت جندته المخابرات السوفيتية ودربته لتنفيذ هذه المهمة، وفي هذا الكتاب الذي استند على الكثير من الخيال وعلى الكثير من الحقائق، يقدم المؤلف سرديته لتلك الجريمة، وقد كتب في تذييله أو في شكره الذي جاء في خاتمة الكتاب ( يجب التنويه إلى أن ما ألّفت هي رواية، على الرغم من الحضور المرهق للتاريخ في كل واحدة من صفحاتها )، وفي الرواية لا نحدس وحسب ماالذي حدث؟ فطموحها أو طموح المؤلف أكثر من ذلك، وهو يكتب متمنياً أن تُبين لنا روايته كيف انحرفت الطوباوية، ولماذا فسدت المثالية؟ ولعل تلك المعرفة أو ذلك الاستقراء قد تحقق عبر هذه الرواية الشيقة، التي تتداخل فيها حيوات ثلاثة رجال، ليون تروتسكي ورامون ميركادير قاتله والراوي إيبان كارديتاس مارتوريل، لتتشكل بذلك خطوط حكاياتها الثلاث، وتبدأ الأولى في 1929 حين نُفي تروتسكي من بلده ليذهب إلى تركيا، ثم يتواصل منفاه/عزله وكفاحه الذي لم يفتر في فرنسا والنرويج ثم في المكسيك، وتبدأ الحكاية الثانية في 1938 يوم عُرض على رامون، الذي تحول إسمه لجاك مورنارد ثم إلى فرانك جاكسون، مهمة أغتيال تروتسكي، فيرحل إلى روسيا ليُكمِل فيها تدريبه وإلى أمريكا ثم إلى المكسيك، التي يسجن فيها 20 عاماً بعد تنفيذه الاغتيال، فينتقل بعد الإفراج عنه إلى موسكو ليعيش برفقة زوجته، العميلة التي دبرت المخابرات لقاءه بها، ثم ينتقل في أخريات عمره، حنيناً لموطن أو مكان ميلاد أمه، إلى كوبا، وهناك يلتقى  بإيبان مارتوريل في 1977 لتبدأ الحكاية الثالثة، وإيبان شيوعي كوبي ساخط ومتوقف عن الكتابة، وهو الذي يروي حكاية هذا الكتاب، وقد تتخللت هذه الحكايات الثلاث وقائع وأحداث انتهكت فيها حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية، وتعرضت حياة جموع من الناس بل وشعوب بأكملها للإنتهاك والموت والخيانة، كتصفية ستالين لكل رفقاء الثورة وشيوع أجواء الخوف بين مواطني الإتحاد السوفيتي، أو إشاراتها لماحدث في الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) التي تدخلت فيها موسكو واستغلت فيها صراعات الشيوعيين الإسبان لصالح صُنع هيبتها بين الدول الأوروبية، وليس لنُصرة قضية الإشتراكية أو الديمقراطية، وقد جَبُنت الحكومات الأوروبية يومها في مواجهة ذلك أو غضت الطرف، كما غضته يوم غزو روسيا/ستالين لفنلندا، وغزو ألمانيا/هتلر لبولندا، ليعقب ذلك غزو النازيين لمعظم الدول الأوروبية، وفي ختام تذييله/شكره ذاك يضيف المؤلف أمنيته الأخيرة: أن تثير الرواية الشفقة، وهذا ماسيحس به قراء وقارئات هذه الرواية، وهم يرون كيف حوّل زعيم معتوه ونظام فاسد الناس إلى جلادين ثم إلى ضحايا يثيرون الشفقة.



الأربعاء، 23 فبراير 2022

لماذا انفصل جنوب السودان؟

 




* لماذا انفصل جنوب السودان؟ عنوان كتاب جديد صدر عن دار مدارك للطباعة والنشر في الخرطوم في 2021، وجاء في مقدمته (من الواضح أن المؤلف أصابته خيبة أمل حين أختار الجنوبيين الإستقلال وكان اختيارهم غلاباً. ولكنه لا يلقي باللائمة على الجنوبيين على تلك النتيجة، فعلى مر الأزمان وعبر تاريخ السودان ظل ساسة الشمال وقادته العسكريون يختارون مراراً وتكراراً سياسات تُنفّر الجنوبيين) وكان محمد إبراهيم خليل مؤلف هذا الكتاب رئيساً للمفوضية التي أشرفت على الإستفتاء الذي أُجري في 9 يوليو 2011، وهو رجل قانون معروف وأول عميد سوداني لكلية القانون بجامعة الخرطوم، وكان تعيينه رئيساً لمفوضية الإستفتاء قد لاقى تقديراً كبيراً من الناخب الجنوبي، كما يكتب محجوب محمد صالح في تقديمه للكتاب، وفي تعليقه أو في تقديم آخر للكتاب كتب فرانسيس دينق ( الكتاب نتيجة بحث دقيق وأسلوب كتابة فائقة المتانة وملهمة ثقافياً، وقد جاء في أوانه. وإلى ذلك فأن الكتاب ذو شأن بتحديات ديوان الدولة وبناء البلدان لا في السودانين الإثنين فحسب، وإنما في مناطق أدنى شرق أفريقيا وما وراءها). وليجيب الكتاب على السؤال: لماذا انفصل جنوب السودان؟ يعود المؤلف بالتحليل المؤجز لتاريخ علاقة الشمال بالجنوب، منذ النوبة الوثنية وظهور الإسلام في السودان وقيام الممالك الإسلامية، مروراً بتاريخ الاسترقاق خلال فترات التركية والمهدية والمحتل الإنجليزي، كما يناقش المؤلف الأطر القانونية والإدارية التي حكمت قانون الأحوال الشخصية والمعاملات المدنية والقانون الجنائي في السودان، خلال فترتي الإنجليز والحكومات الوطنية، ثم ينظر في الاتفاقيات والتجارب الدستورية التي قامت للتمهيد للإستقلال وللحكم ولإحلال السلام أو لتحقيق التعايش السلمي بين السودانيين، خلال الـ 55 عاماً التي اعقبت الإستقلال وحتي قيام مفوضية الاستفتاء وانفصال/استقلال جنوب السودان في 2011. عثمان النصيري مترجم الكتاب رجل قانون ومسرحي ومترجم، يقيم ويعمل في المملكة المتحدة، درس القانون في جامعتي الخرطوم ولندن، وعمل في المسرح القومي بالسودان وفي إذاعة البي بي سي واخرج عدداً من المسرحيات، وهو مترجم كتاب (حكم القانون) لمؤلفه الإنجليزي القاضي لورد توم بينغهام الذي صدرت طبعته العربية في 2010 عن مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي في أمدرمان.


الثلاثاء، 28 ديسمبر 2021

الغضب والأمل


اسم الكتاب: شبكات الغضب والأمل

الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات-الدوحة

تاريخ النشر: 2017




"نحن بطئيون لأننا ذاهبون بعيداً"

من شعارات الاحتجاجات الإسبانية 2011


* أكثر من خمسة عشرة حركة احتجاجية أو اجتماعية يرصدها هذا الكتاب، في تونس وأيسلندا ومصر وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وتشيلي والبرازيل، يرصدها/يدرسها كحركات جديدة نشأت في ظل إثنين من القواسم/العوامل المشتركة، ويتمثل الأول في وجود أزمة جوهرية في شرعية النظام السياسي وازدراء للأحزاب السياسية، وقد أصبح السياسيين نوع من طبقة مغلقة ترعى مصالحها بدلاً عن تمثيل الشعب، ويتمثل العامل الثاني في امتلاك هذه الحركات لقدرة تواصلية مستقلة مكنتها من الربط بينها وبين المجتمع، إذ دمجت بين الفضاء الإلكتروني والحيز الجغرافي، وهو ماأتاح لها الفرصة لإعادة صياغة الرسائل والدلالات في مواجهة سيطرة الحكومات/الشركات التي تحتكر قنوات الاتصال وصياغة القيم، وليُشكل هذا الاستخدام لشبكات الانترنت، برأي المؤلف، أحد خصائص هذه الحركات الاجتماعية الشبكية الجديدة، إضافة لخصائص أخرى كانطلاقها أول الأمر في شبكة الإنترنت، ثم تحولها إلى حركة باحتلالها لحيز حضري، عبر الاعتصامات أو بالتظاهرات المستمرة في الشوارع، ومن الخصائص الأخرى أن صنع القرار يتم عبر مجالس أو لجان، وأنها في العادة حركات بلا قيادة، وليس ذلك لنقص القادة، ولكن لمقت عفوي وعميق وانعدام ثقة تجاه أي شكل من أشكال سلطة التفويض، كما أنه نادراً ماتكون لهذه الحركات برامج، اللهم إلا في حالة التركيز على قضية واحدة واضحة ك: إسقاط النظام الدكتاتوري، أو مطالب متعددة لترقية أحوال حياتهم، ويقول المؤلف عن هذا الرفض المطلق للعملية السياسية بصيغتها الموجودة اليوم، انه تعبير عن قوة توحد الغضب والأحلام عند هذه الحركات، فهي لا تقدم مطالب ولكنها تريد كل شيء من مجتمع مختلف وجديد، ولعل ذلك ماعبر عنه أحد الثوار في السودان حين قال (نريد الحديقة كلها) ويختم المؤلف بالقول إن هذه الحركات سوف تستمر، طالما هناك هذه الأزمات والصراعات المتصاعدة، وهناك هذه المؤسسات السياسية غير الفاعلة وغير الشرعية، في أذهان مواطنيها، إضافة إلى أن العقول تفتحت بفعل رياح حرية الاتصال وممارسات شباب لا يعرف الخوف.



الأربعاء، 6 أكتوبر 2021

أثر عنايات الزيات

 



* في ستينات القرن الماضي قَدّمت عنايات الزيات (1936-1963) مخطوطة روايتها (الحب والصمت) للنشر لكنها رُفِضت، فنشرتها دار نشر أخرى بعد أربع سنوات من انتحارها، وفي تسعينات القرن الماضي ذهبت إيمان مرسال لسور الأزبكية، سوق الكتاب المستعمل الشهير الموجود في القاهرة، للبحث عن كتاب بعينه، فأثارت فضولها (الحب والصمت) هذه الرواية التي لم تسمع بها من قبل ولا باسم كاتبتها، وزادت فتنتها بالرواية بعد قراءتها، لتبدأ رحلتها في هذا الكتاب متتبعة لطيف عنايات الزيات، باحثة عن مكان قبرها وعن صديقتيها مِسيار النحاس ونادية لطفي الممثلة المعروفة وشقيقتها عظيمة عباس الزيات، وباحثة في الإرشيف الفقير أو المدمر، الموجود بالصحافة المصرية أو لدي معارف وأقرباء عنايات الزيات، وقد غفل هذا الارشيف عن ذكرها وهي المستحقة لتكون موجودة في ارشيف الرواية العربية أو كتابة المرأة العربية، كما تشير المؤلفة التي تقول إن تدمير ارشيف الزيات الشخصى بدأ لها أول الأمر ككارثة، لكن غيابه حررها لتجعل من لحظة تقاطعهما دليلها الروحي في هذه الكتابة، بدلاً عن العرض المسطح لحياتها، وبالفعل استطاع هذا الكتاب، الذي زواج بين البحث الاستقصائي والسرد الروائي، استطاع أن يقدم مادة شيقة وكاشفة عن ملابسات أو تقاطعات في حياة كاتبة وأم، في مجتمع ذكوري، يناوش حياتها الاكتئاب، وكانت تنتظر يومياً خلال شهور طويلة الرد بالموافقة على نشر روايتها، وتواجه التهديد بنزع حضانة طفلها منها بأمر المحكمة. إيمان مرسال شاعرة وأكاديمية مصرية تقيم في كندا، وقد صدرت طبعة كتابها هذا، وهي الطبعة الخامسة، في 2021 عن الكتب خان للنشر والتوزيع-القاهرة.


الخميس، 23 سبتمبر 2021

الصفوة الأخرى

 

اسم الكتاب: ... ومنصور خالد

المؤلف: د. عبدالله علي إبراهيم

الناشر: دار المصورات للنشر والطباعة والتوزيع-الخرطوم

تاريخ النشر: 2018




عرض: أسامة عباس

* في نهاية سبعينات القرن الماضي أصدر منصور خالد (1931-2020) كتابه (حوار مع الصفوة) وكانت مجموعة من مقالاته نُشرت قبل ذلك التاريخ، ليَشيع بعدها مصطلح الصفوة بدلاً عن البورجوازية أو البورجوزاية الصغيرة، كما في لغة اليسار وتوصيفه لهذه الطبقة، وتابع منصور خالد في كتبه التالية نظره نحو هذه الطبقة، وأدخل معظم نخبتها في دائرة الزمرة الفاشلة، كما جاء في كتابه (النخبة السودانية وإدمان الفشل) الذي شاع وراج بين الناس كعنوان وكتوصيف ناجز يصِم صفوة متعلمي السودان، وفي هذا الكتاب (... ومنصور خالد) يُصوب عبدالله على إبراهيم نظره نحو صفوة أخرى، قوامها شيوعيين وعمال سودانيين، لم تفشل ولم ينظر إليها منصور خالد حينما أطلق تعميمه الذي شاع حول فشل النخبة السودانية.

* ويُذكَّر عندما نُشرت مقالات هذا الكتاب متسلسلة أول مرة في 2005 توقف بعضهم عند المقالة التي تحدثت عن عمالة منصور خالد للأمريكان، ورددوا يومها إن المؤلف إنما يريد فقط أن يُبخس من نجومية منصور خالد، بل وطعنوا في مصداقيته الأكاديمية، وقد رد المؤلف على ذلك في خاتمة كتابه، لكن مغزى الكتاب أو أهميته لاتكمن في ورود مثل هذه المعلومة، وان كانت تشرح الكثير عن بداية أو كيفية صعود نجم منصور خالد، وانما تكمن في تناوله لمسيرة منصور خالد الفكرية في ارتباطها بمسيرة طبقة من المتعلمين، ناجزت الطائفية العداء ثم بادلتها الود وأضعفت سلطانها حتى قاسمتها أخيراً الثروة والجاه، وكان منصور خالد حادي هذه الطبقة، التي تزعم لنفسها إمتلاك رؤية؛ معالمها قيم الديمقراطية والمساواة، ولكنها ما أن تملك السطان تصبح ذات رؤيتها هذه عدوها المقيت، وقد طال مقتها وامتدت عداوتها لمنصور خالد نفسه.

* ولتتبع هذه المسيرة يعود المؤلف لبدايات صعود نجم منصور خالد حينما عمل سكرتيراً خاصاً لرئيس الوزراء ووزير الدفاع (1956-1958) عبدالله خليل، الذي كان يواجه يومها العزلة والمتاعب، فدفعه ذلك ليشير للجيش بتكوين حكومة طوارىء قوامها مدينيين وعسكريين، بيد أن الجيش قام بتكوين مجلس عسكري وانفرد بالسلطة، وقد نظر المؤلف في ملابسات تلك الوقائع وفي دوافع ضباط الجيش، ليقول بخطل نظرية (التسليم والتسلم) الرائجة، ثم تابع حديثه عن منصور خالد، الذي عمل في جريدة الناس لسان حال عبدالله خليل سيئة السمعة، وبرأيه وبعد اطلاعه على ارشيفها، أن منصور كان رئيس تحريرها الفعلي رغم احتجاب اسمه عنها، إذ يظهر فيها أسلوبه/توقيعه الذي نعرفه اليوم، وقد أخد المؤلف من ضمن ماأخذه على الجريدة أو على منصور، تلك الحملات التي كانت ضد اسماعيل الأزهري وآخرين، آخذاً عليه طعنها في هويتهم واشاراتها العنصرية بإنهم ليسوا عرباً، وهو الذي انضم لاحقاً للحركة الشعبية لينقذ عرب السودان المسلمين من عنصريتهم وليعانق الجنوبيين.

* وفي قول المؤلف ان انضمام منصور خالد للحركة الشعبية كان أقرب إلى اللجوء السياسي منه إلى (عناق الآخر) وقد زادت حلقات عزلته وسط النخب الشمالية يومها، أيام انتفاضة أبريل 1985، ثم يتابع المؤلف في تحليل ثقافي لبعض ماكتبه منصور في تلك الفترة، ليظهر فيما كتبه ذات تلك الحمولة العنصرية التي شابت حملاته في جريدة الناس، ليقول بإن كثير من المهاجرين الشماليين إلى الحركة، إنما كانت هجرتهم إلى أنفسهم، فالهجرة أو عناق الآخر ليس معناه أن تتنكر لرهطك، وإنما في الاستعداد لدفع الثمن الباهظ ليتسرب وعيك الجديد هذا لأفئدة وعقول أهلك، ولينعم الجميع بالمساواة في ظل دولة الديمقراطية المستدامة، ولأن الآخر ربما لايحتاج أن تهاجر إليه بقدميك، كما يقول المؤلف، مُشيراً لستيف بيكو قتيل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، الذي كان يقول ليساريِّ بلده البيض حرروا أنفسكم حتي لاتكونوا عبئاً علينا، ولكن منصور خالد، زعيم أولئك المهاجرين، في قول المؤلف، لم يفعل ذلك ولم يرى في كل طوائف وشيع وأحزاب السودان الشمالي إلا كياناً واحداً عنصرياً مدمناً للفشل، بحسب مقولته تلك الرائجة.

* وبرأي المؤلف إن تلك المقولة عن فشل النخبة الشمالية باطلة، لجهة تعميمها وقد أغفلت أن بين أولئك المسلمين العرب السودانيين، كان هناك شيوعيين يقفون ضد العنصرية ويحلمون بسودان جديد، منذ خمسينات القرن الماضي، يزول فيه نير التهميش، وكان من كثير مافعلوه وقفة نائبهم، في برلمان 1955، الشيوعي حسن الطاهر زروق، لمناقشة مشروع دستور السودان المؤقت في فصله الثاني الذي يقول بعدم حرمان أي سوداني من تقلد المناصب بسبب المولد أو الدين أو النوع، وقف زروق ليقدح في مآل هذا الفصل عند تطبيقه العملي، مشيراً لوجود آلاف العاطلين وقلة أجور النساء مقارنة بالرجال والعاملين في الجنوب مقارنة بالشمال، وقد اعترض رئيس البرلمان بابكر عوض الله على ذلك بأنه خارج موضوع المناقشة، وبرأي المؤلف لقد حملت تلك المناقشة الفرق في الرؤى بين رؤيتين للسودان، بين الطبقة العاملة والبورجوازية، بين بشائر زروق للمواطنة الشاملة وعمى بابكر عوض الله، الذي لم يستطع أن يربط بين وجود العاطلين وغمط النساء والجنوبين أجورهم، وبين مادة الدستور التي يجب عليها كفالة المواطنة المتساوية بغض النظر عن العرق والجنس والدين.

* ويختم المؤلف كتابه بقراءته لورقة كان قدمها منصور خالد لمؤتمر (الحداثة وصناعة الهوية في السودان: استذكار الستينات والسبعينات) عُقد في أبريل 2015 بالشارقة، وقد عرض فيها أراء لمحمد أحمد محجوب في مقالته (الحركة الفكرية في السودان: إلى أين يجب أن نتجه؟) التي نشرت في أربعينات القرن الماضي، ويقول المؤلف إن أفضل مدخل لتقييم ورقة منصور تلك، هو النظر في استجابة الحاضرين لتلك الورقة/الكلمة الذين كانوا يضحكون ويصفقون بين كل كلمة واخرى، وهو الشيء الذي لايقع إلا لكوميديان وليس لمحاضر، والسبب في ذلك كما يرى أن منصور خالد بعد تحوله للحركة الشعبية قد أخذ في إخذاء المسلمين الشماليين، ويقوم في هذا الطقس ب"كشف المستور" لطائفة من الإسلاموعروبيين تستمع ضاحكة لمن يدعك لها الملح في سجل خذى أجدادها، معوضين بذلك عن فشلهم في صناعة تاريخ أفضل للإخاء الوطني، ثم يتابع حديثه بإنه كان من الأفضل، لو صح عزم منصور خالد أن يقدم أراءه هو حول الهوية، التي رددها في سبيعنات القرن الماضي وقد استمدها من محمد أحمد محجوب، بدلاً عن شواء المحجوب في روتين للهرج بالهوية.


الجمعة، 10 سبتمبر 2021

جمال محمد أحمد

 




* جمال محمد أحمد (1915-1986) دبلوماسي وكاتب موسوعي المعرفة، ولد في سَرّة شرق ناحية حلفا القديمة، جمعت مؤلفاته في وحدة أسلوبية وابداعية متميزة بين التأريخ والفكر والأدب والترجمة، وقد زاوج بسلاسة، في سابقة نادرة الحدوث وقليلة النجاح، بين مهمة الكاتب ومهمة الوظيفة، إذ جَسّر بين المهمتين ليجعل منهما سهماً واحداً ينطلق نحو مايراه أو مايريده من أهداف وغايات، وفي هذا الكتاب نقترب أكثر من حياته ونعرف عظمة تأثيره وفيض سخاءه، خاصة رقته ولطفه مع أبناءه وأصدقاءه، الذي تُخبر به رسائل وأوراق هذا الكتاب، يقول الطيب صالح في تقديمه ( في الرسائل يكون جمال على سجيته تماماً، يذهب من موضوع الى موضوع، وينتقل من الخاص الى العام، من المهم الى العادي، بأسلوبه العجيب الذي تميَّز به) ومثلاً في رسالة الى أحد اصدقاءه، طال بينهما عدم التراسل، يكتب له ( أي شقيقي سارع بالكتابة إليّ ولاتنسى اني أحقد عليك أنك آثرت علي كثيراً من الأصدقاء، اني احقد عليك هذا واغبطهم عليه..) وفي رسالة اخرى لإبنته العائدة لتقضي إجازتها في السودان، يكتب إليها وقد كانت مترددة في زيارة بعضهم لموقف ما حدث، يشير لها في اسلوب حميم ونافذ، دأبه في كل رسائله، يشير عليها ان تفعل مايرضيها، ويقترح ان تذهب إذا وجدت ميلاً لذلك، أو لاتذهب إذا كان ذلك يثير غيظها أو يثير لديها ذكرى حزينة، لم يشمل الكتاب رسائل كثيرة كانت ستلبي طمع الذين سيريدون المزيد، ولعل ذلك مادفع الطيب صالح ليقول إنه حينما فرغ منها أحس بالأسف لأنها لم تلبث فترة أطول، لكن هذه الرسائل رغم قلتها جالت حول موضوعات عديدة ومتنوعة، ففي رسالة حول تهجير آهالي وادي حلفا أهله، وكان يومها سفيراً للسودان في أديس أبابا، يكتب لواحد من المسئولين، ينبهه لعدم الجزع من عدم اتفاق اهالي حلفا حول المنطقة التي يجب أن يرحلوا اليها، لأن لكل طرف من الأطراف المختلفة مصلحة حقيقية يدافع عنها، ثم يشرع في تقديم نصحه واقتراحاته بعد اطلاعه المثابر على المعلومات والتقارير المتعلقة بقضية التهجير، وبعد عقده للقاءات وحوارات مع أطراف مختلفة للمزيد من اكتمال معرفته، ناصحاً بضرورة أن تخبر الحكومة المواطنين عما تريده فعله من خطوات، كما تحدثت الرسائل عن الدبلوماسية وتقاليدها والآفاق السياسية التي يمكن أن تفتحها أمام السودان الذي يربطه الكثير بأفريقيا وبالعالم العربي، كما شمل الكتاب اضافة لرسائله للأسرة وإلي أصدقاءه، أخباراً عن مجهودته المحلية والإقليمية والدولية وأحاديث أجراها معه المؤلف عثمان محمد الحسن، وهو أحد أصفياء وتلاميذ جمال م أحمد. صدرت هذه الطبعة في 1992 عن دار الجيل في بيروت-لبنان.

 

الاثنين، 2 أغسطس 2021

الدفتر الذهبي

 



* دوريس ليسينج (1919-2013) روائية بريطانية عاشت جزءاً من طفولتها ومعظم شبابها في روديسيا/زيمبابوي، إذ انتقلت إليها مع والديها في السادسة من عمرها وغادرتها في عمر الثلاثين لتعيش في بريطانيا برفقة طفلها وصيت روايتها الأولى (العشب يغني) وهو نفس الحال الذي عليه شخصية روايتها الرئيسية آنا وولف التي تعيش مع إبنتها في لندن بفضل مبيعات روايتها (حدود الحرب) وفي رواية (الدفتر الذهبي) تقدم ليسينج تحت عنوان ثابت (حكاية امرأتين مع الحرية) تكرر خمس مرات بمثابة فصول، تقدم حكاية أو تجربة آنا ومولي الصديقتان اليساريتان في خمسينات القرن الماضي، ومولي ممثلة مسرح وناشطة سياسية تعيش منفصلة عن زوجها برفقة إبنها الشاب تومي، بيد أن الرواية تركز  أكثر على آنا وولف وعلى حياتها الداخلية، إذ تكتب آنا يومياتها في أربعة دفاتر بالوان مختلفة، هكذا جعلتهم دفاتر منفصلة حتى لاتزدحم الأفكار وتعم الفوضى كما تقول، وفيهم تنقل تجربة حياتها، خاصة عملها السياسي في بريطانيا وفي افريقيا التي عاشت فيها فترة من الزمن، كما تخبر عن علاقتها أو رؤيتها للرجال الذي عاشرتهم، وترصد تقلبات مزاجها وتبدل أحوالها الذهنية وعلاقتها مع ابنتها جانيت، لتشكل الدفاتر رواية داخل رواية، تدور حول حياة/تجربة امرأة حرة وكاتبة وأم تنخرط في قضايا مجتمعها وتحاول لملمة أطراف تشتتها، وقد أخبرت الرواية بذلك عن الكثير، مثلاً عن الإنقسام الذي يمسك بروح المرء الذي يهجس بالتغيير، وعن أزمة اليسار التي تكشفت في أوروبا منذ خمسينات القرن الماضي، وعن العلاقة بين المرأة والرجل، حتى ليُعِد كثيرون اليوم (الدفتر الذهبي) من الكتابات النسوية المُبجلة، بالرغم من تحفظ المؤلفة التي تقول؛ حصر الكثير من النقاد نظرتهم للرواية، عند صدورها في ستينات القرن الماضي، حصروها في فكرة الصراع بين الرجل والمرأة، واعتبرتها النساء سلاحاً نافعاً في حربهن مع الرجال، لتقول: (منذ هذه اللحظة وأنا في موقف شائك، فآخر شيء كنت أود أن أفعله هو أن أرفض مساندة المرأة). تمت هذه الترجمة للعربية بفضل من إيمان أحمد عزب، وصدرت في 2011 عن كلمات عربية للترجمة والنشر في القاهرة.

الجمعة، 2 يوليو 2021

كارل ماركس

 


اسم الكتاب: كارل ماركس أو فكر العالم

سيرة حياة

المؤلف: جاك أتالي

المترجم: محمد أحمد صبح

الناشر: دار كنعان للدراسات والنشر-دمشق

تاريخ النشر: الطبعة الأولى 2008



عرض: أسامة عباس


* يقول ايزايا برلين إن كارل ماركس خلافاً لشوبنهاور وتوماس كارلايل ونيتشه، الذين انتهى مصيرهم إلى البحث عن مهرب في ماضي انقضى وفي مدينة قصية أو بالوقوع في لجة الهستيريا والجنون، خلافاً لهم ظل هادئاً ومطمئناً يؤدي رسالته في التبشير بمجتمع المستقبل، ويكشف للناس عن علامات الانحلال والإنهيار التي كان يراها حوله في كل جانب. وقد عاش أربعتهم في القرن التاسع عشر الذي شهد اكتمال سيادة الإنسان أو زيادة سيطرة عقله على العالم، بدلاً عن تلك الرؤية المرتكزة على الإلهي والخارق للطبيعة، وبكلمات من البيان الشيوعي 1848 كانت الحياة التي تعطرت يوماً بقيم النبالة والفروسية قد انقضت وتمزقت العلاقات العائلية لتتحول لمجرد علاقات مالية، بيد أن كارل ماركس فعل أكثر من ذلك، إذ أخبر الناس بأن مجتمعاً دون طبقات يتساوى فيه بني الإنسان يمكن أن يوجد في الأرض، وجعل من ذلك حلماً واقعياً وهدفاً سياسياً يلتف حوله الناس، ومازالوا يلتفون حوله وسيلتفون حوله ربما إلى الأبد.


* وفي هذا الكتاب سيرة شيقة لحياة ماركس ولسيرة أفكاره وتطورها، أي لتلك المفاهيم العقلانية التي عكف عليها ليتحقق ذلك المجتمع الذي حَلُم به مصيراً لبني الإنسان، وهو الذي كتب مبكراً في (تأملات شاب حول اختيار طريقه) عن الواجب وخير البشرية، وفي رسالة من والده وهو في سنته الجامعية الثانية، وقد كانت الحوارات بينهم متصلة منذ كان طفلاً، جاء فيها: (إذا شاءت إرادة الله، فلا تزال أمامك حياة طويلة تعيشها لخيرك ولخير عائلتك -وإذا كان حدسي صحيحاً- لخير البشرية) وكان والده يريده أن يتابع دراسته في القانون، لكنه اتجه إلى الفلسفة ليصبح أستاذاً في الجامعة، ولما تعذر ذلك عمل بالصحافة، ليكتشف عند تحضيره لمقالة متعلقة بالمِلكِية أن معارفه في الاقتصاد السياسي ضعيفة، فينهمك في قراءة الاشتراكيين الفرنسيين، كسان سيمون الذي طالما حدثه والده عنه، والذي كان يتحدث عن المساواة وأولية الاقتصادي على السياسي وعن المجتمع المنقسم إلى طبقتين.


* وبرحيله إلى باريس وبروكسل، بعد أن تعذر عمله الصحافي في ألمانيا بسبب الرقابة، ثم إلى لندن التي قضى فيها بقية حياته، يبدأ ماركس في شَغل المكان الشاغر للفيلسوف الملتزم كما يقول المؤلف، بتقديمه للوعي الطبقي على الوعي السياسي، لأن مصالح الفئات أو الطبقات الإجتماعية متعارضة، ثم يطور مفهوميه حول الاغتراب وفائض القيمة، برده الاغتراب إلى العمل الذي لايعود عائده إلى مُنتِّجه، متحدثاً عن المفهوم الاقتصادي للاستغلال في ارتباطه بالمفهوم الفلسفي للاغتراب، والذي سيؤدي اختفاءهما، الاغتراب أو الاستغلال، لأنْ يصبح العمل متعة، وقد تحرر بواسطة شراكة حرة للمنتجين من قبضة رأس المال أو الرأسماليين، الذين يراكمون ثرواتهم مما ينتجه العمال، وهو ماسماه ماركس بـ(فائض القيمة) أي أن يستحوذ الرأسماليون على قيمة ماينتجه العمال مقابل أجرة أقل من قيمة ماينتجونه، ويصبح الغرض من تقديم الرأسمالي لتلك الأجرة، هو أن يبقى العامل حياً ليواصل في الإنتاج، دون أن يحصل على نصيبه من هذا الإنتاج، لأن الأجرة ليست القسمة والنصيب.


* وبخلاف النظرة السائدة لماركس كفيلسوف اجتماعي وعالم اقتصاد سياسي، يُبرِز الكتاب سيرة ماركس السياسي والصحافي الذي يتابع الأحداث وينشر تحليلاته وتعليقاته عليها، وقد عمل وساهم في تأسيس أكثر من صحيفة، وقام مع رفيقه فريدريك إنجلز بتأسيس (لجنة المراسلات الشيوعية) في بروكسل، للانخراط في العمل السياسي بدلاً عن الاكتفاء بالتأليف أو التنظير، ولأخذ مكانهما في قلب المنظمات الثورية الأوروبية العاملة يومها، وبالفعل انضمت لجنتهم لعُصبة المُنصِفين في لندن، التي تحول اسمها باقتراح من ماركس إلى (عُصبة الشيوعيين) وأصبح شعارها (ياعمال العالم اتحدوا) بدلاً عن (كل بني الإنسان أخوة) لتضم مناضلين من كأفة دول أوروبا، ويصبح الهدف: قلب البورجوازية وازالة نظام الطبقات، وقد نشرت العُصبة في 1848 بيانها الشهير الذي كتبه ماركس والذي سيصبح النص غير الديني الأكثر انتشاراً حتى أيامنا هذه، كما يقول المؤلف، وهو البيان الشيوعي.


* ويختم الكتاب السيرة بتتبعه لمعارك ماركس الأخيرة، كصراعه ومساهمته في تأسيس الجمعية الدولية في 1864 التي قامت وسط تيارات متنافسة، يريد بعضها الإكتفاء ببرنامج ينادي بالتعاونيات، وبين فوضويين يريدون إزالة الدولة وقلب النظام رأساً على عقب، وهو مايريده ماركس وأنصاره، لكن عن طريق حزب سياسي تُشكِله البروليتاريا ومنخرط في الديمقراطية البرلمانية، كما يقدم الكتاب قراءته لمآل ماركس، خاصة بعد أن تحولت مفاهيمه وأفكاره إلى إسطورة وإيديولوجيا سلطة، ارتكبت الكثير من الفظاعات في عدد من البلدان، وقد تم ذلك بسبب إلتباسات، كما يقول المؤلف، متناثرة في كتابات ماركس تسمح بالعديد من التفسيرات حول المستقبل الذي بشر به، أي المجتمع الشيوعي، وبالرغم ذلك يقول المؤلف: تستعيد اليوم نظرية ماركس كل معناها في إطار العولمة التي تنبأ بها، ونحن نشهد انقلاب المجتمعات التقليدية والإفقار العام وتركز رأس المال، الذي في طريقه لاستنفاد تسليع العلاقات الاجتماعية، وحينها لن يبقى أمام البشرية سوى التدمير أو الاشتراكية.


الخميس، 10 يونيو 2021

منهج الكتاب والحكمة

 


اسم الكتاب: منهج الكتاب والحكمة

مدخل إلى الإصلاح الديني

المؤلف: شمس الدين ضو البيت

الناشر: مشروع الفكر الديمقراطي، سلسلة قراءة من أجل التغيير رقم (1)

تاريخ النشر: الطبعة الثالثة يونيو 2017




عرض: هشام مكي حنفي


* فكرة الكتاب الجوهرية قائمة على ضرورة العمل على الإصلاح الديني واقتراح ما سماه المؤلف، (منهج الكتاب والحكمة)، ويربط الكاتب ربطاً منطقياً بين حالة التخلف والجهل التي تسود العالم الإسلامي ونمط التدين السلفي الذي شاع فيه، مُرجعاً جذور الانغلاق والتحجر الفكري إلى العقود الإسلامية التي تلت فترة الخلافة وبدأت مع التحول السياسي الذي أوجد دولة الأمويين التي عملت على إغلاق باب الاجتهاد والتفكير مما أدى لسيادة العقل النصوصي الناقل وتحجر الفكر المبدع. 

* بناءً على هذه المقدمة النظرية، يُرجع المؤلف الاخفاقات التي تمر بها الدول الاسلامية والعربية -والسودان من بينها- إلى كونها أعراض للأزمة التي يمر بها النظام المعرفي السلفي الذي ما عاد بإمكانه مواكبة العصر ولا تقديم حلول للمشاكل المستجدة. وبحسب المؤلف فإن هذا النظام المعرفي باستناده لنصوص وتأويلات عمرها 14 قرن لا بد أن يعجز أمام مستجدات ومشاكل العصر الحديثة التي لا يجد لها توصيف في نصوصه الموروثة، مثلما فشل الداعون للعودة لهذا النظام في تكييف نصوصه وقواعده لتتماشى مع المشاكل المعاصرة.

* يقسم ضو البيت النظام المعرفي الإسلامي إلى اتجاهين معرفيين، الأول منهما يتمثل في الدعوة الإسلامية في بداياتها وما مثلته من انتقال تطوري من مجتمع القبيلة إلى العقيدة و من التفكك إلى الوحدة و من وأد البنات إلى دورٍ أفضل نسبياً للنساء، أما الثاني الذي نشأ بعد الفتنة الكبرى واقتتال الصحابة وما تلى ذلك من نشؤ الملك العضوض و تكريس مبدأ الجبر و لزوم طاعة الإمام و انتفاء الشورى وتراجع الحريات ومطاردة المفكرين و المجتهدين و بروز الفكر الذي يرفض التجديد والاجتهاد، وهذا ما ساد فيما بعد و مثل النظام المعرفي السائد اليوم والذي أنتج التراجع المعرفي والقعود عن المساهمة في العلم و التقدم و ما نتج عن ذلك من أزمات.

* وكما سبق فإن جوهر الكتاب وفكرته المركزية هي ما أسماه المؤلف (منهج الكتاب و الحكمة) ويمكن تلخيص هذا المنهج حسبما طرحه الكاتب في أن الإسلام يقوم على المبدأين (الكتاب و الحكمة) أما الأول منهما أي الكتاب وفق تعريفه فهو الأحكام و التشريعات أو الشريعة، ويقول المؤلف، أن الطبيعي في هذا الشق أنه متجدد بتغير الأزمان، لذلك فإن عدم تطور التشريعات الاسلامية هو ما أقعد الدول و المجتمعات المسلمة عن التطور ومواكبة احتياجات العصر، أما الحكمة وفق توصيفه فهي جوهر الدين و روحه التي شُرع لأجلها وهي ما ينبغي اتباعه، ويقول أنه بتفهم الحكمة من التشريعات يمكننا تطويرها لخير وصالح الناس، وبذا تتطور المجتمعات المسلمة وتلحق بركب العالم المتطور.

* وفي نهاية الأمر يخلص الاستاذ شمس الدين ضو البيت إلى ان القاعدة القائلة بصلاحية التشريع الاسلامي لكل زمان ومكان هي قاعدة غير صحيحة يجب تجاوزها كما نادى بذلك الراحل الاستاذ محمود محمد طه وأن الدين لا يتعارض مع التطور العلمي والتكنولوجي ويمكن تجديد مفاهيمه وتشريعاته بما يتماشى مع ذلك.


الجمعة، 4 يونيو 2021

قبائل شمال ووسط كردفان


المؤلف: هارولد ماكمايكل

ترجمة: سيف الدين عبد الحميد

الناشر: مركز عبد الكريم ميرغني، الطبعة الثانية يونيو 2017



عرض: هشام مكي حنفي

* مؤلف هذا الكتاب مؤرخ وإداري بريطاني، حائز على درجة أكاديمية عليا في التاريخ من جامعة كمبردج، أُنتدب للعمل في خدمة حكومة السودان الاستعمارية في العام 1905 حيث عمل في كردفان ومختلف مديريات السودان الأخرى، وصولاً إلى منصب السكرتير الإداري لحكومة السودان حتى تقاعده في 1934. ألّف ماكمايكل العديد من الكتب عن السودان منها (وسوم الجمال عند قبائل كردفان الكبرى) و(تاريخ العرب في السودان) و (السودان الانقليزي المصري) وكتاب (السودان) كما أسس مجلة (السودان في رسائل ومدونات). 

* ينم هذا الكتاب (قبائل شمال ووسط كردفان) عن معرفة حقيقية وعميقة للكاتب بالموضوع، كما أنه يكاد يكون الوحيد في موضوعه، فيما أعلم، ويضم معلومات تاريخية وأنثروبولوجية وجغرافية وإدارية قيمة، وما زالت في غاية الأهمية حتى يومنا هذا. كذلك مما يلفت الانتباه الترجمة الممتازة واللغة الرفيعة للمترجم الأستاذ سيف الدين عبد الحميد الذي أنجز عملاً محكماً. 

* نُشر الكتاب الأصل، في العام ١٩١٢، أي بعد سنوات قليلة من إعادة استعمار السودان، ويبدو وكأنه قد بدأ كعمل قُصد منه تقديم تعريف ومسح جغرافي، ديمقرافي وتاريخي لكردفان، ليعين الدولة الاستعمارية على تحديد أهدافها وأولوياتها الاستثمارية في الإقليم، لكنه انتهى في الواقع إلى كتاب عظيم الفائدة في التاريخ الاجتماعي والحضاري لشمال كردفان.

* يستعرض الكتاب جغرافيا إقليم شمال كردفان وثرواته ويصف كردفان، بأنها الاقليم الأغنى في السودان، ويشير إلى إن الصرف الإداري و التنموي على كل أقاليم السودان، في ذاك الوقت، يعتمد على عائدات هذا الإقليم. تناول الكتاب القبائل التي تعيش في هذه الجغرافيا مستعرضاً أصولها الإثنية وتاريخ تواجدها في المكان وحدودها القلبية وعلاقاتها مع القبائل الأخرى وفي خلال ذلك تطرق للممالك التي نشأت في كردفان، وصراعاتها، وأسباب نشوؤها، وفنائها.

* من ضمن المساهمات المهمة التي يقدمها الكتاب تناوله للعديد من القبائل التي تكاد تنسى مثل قبيلة الداجو وأصلها والمملكة العظيمة التي أنشأتها في دارفور ثم كيف انتهت القبيلة وتفرقت بين كردفان ودارفور. كذلك قبيلة التنجر والروايات حول أصلها وما أقامته من ملك في كردفان ثم اضمحلال دورهم وتفرقهم كذلك، وغير هذا من التاريخ المهم لكثير من الشعوب الأصلية في السودان والذي لا يجد الاهتمام بتدوينه حتى هذه اللحظة مما أدى لضياع معظمه.

* على الرغم من الطريقة الموضوعية والمنهج المحكم الذي اتبعه ماكمايكل في تأليف الكتاب إلا أنه لا يخفي احتقاره للدم أو العنصر الأسود، ويرد هذا كثيراً في معظم فصول الكتاب، فعلى سبيل المثال في ص 277 عند وصفه لقبيلة الهوارة يقول عنهم أنهم (صاروا قذرون وذوو أخلاق سيئة بسبب المزيج الجم من الدم الأسود واختلاطهم بعناصر الجنوب الوضيعة). لكن يظل الكتاب مهم وغني بمعلومات كثيرة عن آثار لحضارات قديمة في كردفان وقف عليها المؤلف وعن صراعات ممالك الفور والفنج والمسبعات وممالك أخرى أقل سادت وقتاً ما في هذا الجزء من السودان وبه معلومات لم ترد في مراجع أخرى عن العنج والتنجر وأقوام قديمة من السودان.


الأربعاء، 26 مايو 2021

فاتنة المهدي

 

فاتنة المهدي أو استعادة السودان

تأليف: دوقلاس لندن

ترجمة: وهبة فهمي

الناشر: المطبعة العصرية بمصر



عرض: هشام مكي حنفي

* فاتنة المهدي رواية مكتوبة بقلم أحد الاستعماريين البريطانيين هو (دوقلاس لندن) وتحمل عنواناً جانبياً (استعادة السودان)، وهي رواية تاريخية تعيد كتابة أحداث ما دار في السودان خلال فترة حكم الدولة المهدية ثم الحرب ضد هذه الدولة والتي انتهت بإعادة استعمار السودان. 

* تدور أحداث الرواية بشكل رئيسي في السودان في السنوات القليلة التي سبقت الثورة المهدية والسنوات التي أعقبت ذلك، حتى عام إعادة الاستعمار على يد القوات الانقليزية. يبدأ التمهيد للرواية بأحداث تدور في مصر حول فتاة إيطالية وضابط إنقليزي يُفتتن بها، ثم تنتقل الفتاة مع أسرتها إلى السودان حيث سيعمل والدها في قصر الحاكم العام، وتتوالى الأحداث إلى قيام الثورة المهدية وسقوط الخرطوم في يد المهدويين، ليسجن والدها في سجن الساير وتقع هي ووالدتها في أسر الدراويش فتكون هي من نصيب المهدي نفسه، وهنا تدور الرواية داخل الرواية ويستخدم المؤلف بعض الحكايات الشفاهية التي كانت تدور وقتها بالإضافة للأحداث الكبيرة الموثقة ليقوم بكتابة التاريخ برؤية إبداعية، أو ضمن عمل فني يعفيه من الالتزام بالمرويات الرسمية ويتيح له خلق تاريخ تلك اللحظة كما يريد، مع تضمين العديد من الرسائل.

* هناك من ربط بين رواية "شوق الدرويش" للروائي السوداني المعروف حمور زيادة وهذه الرواية، لكن في الواقع لا رابط بين العملين سوى التاريخ الزمني و المكان الذي تدور فيه معظم الأحداث، عدا ذلك فأبطال حمور زيادة سودانيين وتهتم روايته بإبراز جانب من الصراع الذي احتدم داخل المجتمع السوداني خلال فترة دولة المهدية، بينما أبطال هذه الرواية أوربيين وهي تركز على الفارق الحضاري بين الشعوب وتجتهد في تبيان همجية الشعب الذي ثار ضد الاستعمار مقابل إنسانية الأوربيين الذين أعادوا الأمن والنظام، أما الرسالة المركزية للرواية في ظني، فهي تبرير وشرعنة الاستعمار من خلال قالب درامي يصور الأوربيين بشراً فاضلين يقعون في قبضة المتمردين الهمجيين حتى يأتيهم الخلاص مرةً أخرى على أيدي الفاتحين الأخيار. لكن برغم ذلك، تظل هذه الرواية جيدة كعمل فني بمقاييس الرواية الكلاسيكية وهي تستحق القراءة لذلك ولقيمتها التاريخية كعمل يفكك الأحداث بمنظور مختلف ويتناول بعض الروايات المسكوت عنها فيما يتعلق بالمهدي وبعض جوانب سلوكه الشخصي وقادته الكبار مما كان متداولاً بين الناس وغفلت عنه الروايات الرسمية للتاريخ.


السبت، 3 أبريل 2021

أفق الأرجوان

 



المؤلف: تاج السر الملك

الناشر: Taj multimedia © Virginia-USA




عرض: د. هشام مكي حنفي


* أفق الأرجوان رواية لتاج السر الملك تقع في 344 صفحة، ووصف رواية قد لا يحيط بها كما ينبغي، فتاج السر (سوى فيها البدع)، و قد تنتهي من قراءتها لكنها لا تنتهي، وككل كتابات تاج السر الملك (يدخلك بحمد) و لا يدع لك سبيل للخروج. الرواية عبارة عن نقد اجتماعي سياسي ساخر لكثير من أحوال المجتمع السوداني كالاستسهال و العفوية المفرطة والقدرية الساذجة. تكنيك الكتابة في هذه الرواية كما في معظم كتابات تاج السر يشبه مذهب العبث أو العبثية الذي نشأ أواخر القرن التاسع عشر و لقى رواجاً واسعاً خلال القرن العشرين في الرواية و المسرح و الشعر، كما أنه يشبه تيار الواقعية السحرية لكن بطريقة مميزة، وفي كل الأحوال فالرواية ممتعة ومشوقة بحيث لا تتمكن من توقع ما يحدث في الفقرة التالية. الكاتب أو الراوي في أفق الأرجوان لا يطلق الأحكام القيمية، بل يترك هذه المهمة للقارئ الذي يتوصل من تتالي الأحداث إلى ما فيها من تناقض أو قيم إيجابية يمارسها الناس عفو الخاطر في هذا المجتمع الفريد. و برغم وصفي للرواية بالساخرة إلا أن الكاتب/الراوي لا يسخر من شيء مباشرةً، بل هي الأحداث، التي تنتزع منك ابتسامة أحياناً و قهقهة في أحيان كثيرة و تأمل في معظم الأحيان. من أميز ملامح الرواية تداخل الأزمان بطريقة قد تزعج القارئ أول الأمر لكنه يكتشف لاحقاً أنه تداخل مقصود فهو أحياناً يكشف تشابه و تكرار الأمور في حياتنا بطريقة غريبة وعبثية بحيث أن حدث ما وقع في الفترة المايوية قد يدمجه الراوي في الزمن الإنقاذي بدون عناء لتكتشف فجأة كيف أن حياتنا تدور في نقطة ما لعقود من الزمن و هي مفارقة ساخرة و محزنة في نفس الوقت. 


* يعلم قراء تاج السر أن (عزِّو) بطل الرواية هو شاب سوداني فيه ملمح من مبتدعه تاج السر وفيه ملامح من كل السودانيين في الشتات وفي السودان وهو سوداني عادي قد يكون القارئ وقد يكون أشخاص كثر يعرفهم في مدن وأوقات سودانية عديدة. أفق الأرجوان هي زمن سوداني ممتد، وهي أشبه بالتأريخ الاجتماعي الذي يتناول هجرة السودانيين الكبرى و خيباتهم الأكبر خلال زمن (الإنقاذ)، يتناول الغناء السوداني وذائقة السودانيين و طريقتهم في تفضيل الغناء والمغنين، كما يتناول الموت والنزاعات الصغيرة والكبيرة كيف تنشأ و كيف تنتهي، و الحب و الحياة والبيوت و كيف يكون التواصل بينها، والأعمام والأخوال وكل الأقارب الآخرين وكيف يكون وجودهم في حياتنا الخاصة والعامة. و كما قلت تنتهي الرواية لكنها لا تنتهي، و تحس بالامتنان مع شبهة عتاب لانتهائها، أفق الأرجوان رواية جديرة بالقراءة ككل كتابات تاج السر الملك. 


الثلاثاء، 30 مارس 2021

المقاومة الداخلية لحركة المهدية

اسم الكتاب: المقاومة الداخلية لحركة المهدية

(1881-1898)

المؤلف: د. محمد محجوب مالك

الناشر: دار الجيل-بيروت

تاريخ النشر: 1987






عرض د. هشام مكي حنفي


* بدأت فكرة هذا الكتاب عند المؤلف، كما يقول، عندما كان يعمل في ترتيب دفاتر مراسلات المهدية خلال فترة عمل بها في دار الوثائق المركزية في الخرطوم، وباطلاعه على مراسلات المهدية بدأ يطلع على بعض حقائق تلك الفترة من داخلها ومن خلال ما كتبه صناع أحداثها بأيديهم، بلغت هذه المراسلات 6224 وثيقة صادرة عن المهدي والخليفة، وقد وفرت له فرصة الوقوف على الأحداث ومسبباتها من الداخل بعكس ما كان في مؤلفات الأجانب الذين كتبوا عن المهدية من أوروبيين وغيرهم، إذ فسروا كثير من الأحداث من وجهات نظرهم التي كانت في كثير من الأحيان بعيدة عن الحقيقة، وهذا ما شكل عنده أحد دوافع كتابة هذا البحث، وبالإضافة لمراسلات المهدية السابق ذكرها، اطلع المؤلف كذلك، على وثائق السودان بأرشيف مجلس الوزراء المصري، وما فيها من مكاتبات ذات صلة مباشرة بهذا الموضوع أو كتبت في نفس الفترة ولها صلة بعموم الأحداث بالإضافة لمؤلفات من كتبوا عن المهدية كما أسلفنا.


* يتناول الكتاب حسب ما يتضح من العنوان حركات المقاومة الداخلية التي واجهت الدولة المهدية والطريقة التي تعاملت بها قيادة الحركة والدولة ممثلة في المهدي و الخليفة مع هذه الحركات، كما يستعرض بعض الردود العنيفة تجاه من ظن فيهم المهدي أو خليفته احتمال المناوأة أو من كان هناك خوف من احتمال تنامي قوتهم بما قد يجعلهم مراكز قوة في أي وقت من الأوقات، كما يتطرق للنزاعات و الصراعات مع الحركة المهدية التي نشأت خلال حياة المهدي أو بعدها، و ما بدر من مقاومة أو مجرد وجهات نظر مختلفة لبعض الأفراد أو الجماعات و الطريقة التي وُوجهت بها هذه المقاومة و الآراء و ما اتسمت به من عنف مفرط.


* يبين الكاتب كذلك كيف أن التناقضات التي برزت بين ما يقوله المهدي و ما يحدث في الواقع أدت لحدوث بعض التساؤلات والتشكك مما اعتبره المهدي و الخليفة معارضة، ومن ذلك ما حدث في بدايات الصراع مع الحكومة في معارك كردفان، حين كان المهدي قد منع استخدام الأسلحة النارية بدعوى أنها سلاح الكفار وقصر على أنصاره القتال بالسيوف، لكن عندما سقط 10000 من رجاله في يوم واحد، في معركة الجمعة التي حاول فيها اقتحام الأبيض عاد وسمح باستخدام السلاح الناري فتشكك البعض في مهديته، و لما بلغه هذا أشار إليهم في أحد منشوراته واعتبر هجرتهم مردودة وطالبهم بالتوبة و تصحيح إيمانهم وقد كانت هذه من بواكير المنازعات على الأساس النظري للفكرة و التي قُمعت لاحقاً بقسوة و شدة أكبر.


تناول الكتاب سيرة الشيخ المنا اسماعيل شيخ قبائل الجمع الذي ناصر المهدي منذ وقت مبكر للدعوة وما كان له من فضل في انتصارات المهدية الحاسمة في التيارة و بارا و الأبيض، حيث قاد جيش ضخم أكبر من الجيش الذي كان مع المهدي، تكون من قبائل الجمع و حلف من عديد من قبائل شرق كردفان والنيل الأبيض، وهو ما أثار هواجس الخليفة و جعله يتخوف من أن ينشأ لدى شيخ المنّا طموح في القيادة أو تولى مكانة متقدمة كنائب للمهدي فاستفزه وناوشه ولما لم يجد استجابة خاف مما قد يبطنه فاغتاله في خلوته بعد رجوعه للتيارة مع كل رجال أسرته.


يطرح المؤلف عدد من التساؤلات المفتاحية التي تستبطن الإجابة على معظم التعقيدات والتناقضات التي أدت لنشؤ المقاومة، بل والتي أدت في نهاية الأمر لسقوط الدولة نفسها، يتساءل د. محمد محجوب عن لماذا نجحت الثورة في السودان دون بقية البلدان الخاضعة للسلطة العثمانية؟ و عن سبب هجرة المهدي إلى جبل قدير وكردفان وسر  النجاح السريع و الكبير الذي حققه هناك؟ و من ضمن أسئلة الكتاب المهمة التي أجاب عليها المؤلف خلال بحثه تساؤله عن "هل كان نجاح الثورة المهدية راجعاً إلى استراتيجية المكان ومرتكزات الحركة الأساسية المتمثلة في القيادة الشخصية للمهدي .... أم إلى القبائل البدوية التي حاربت للتخلص من دفع الضرائب و الاستمتاع بالغزوات الحربية وامتلاك الغنائم؟ أم كان راجعاً للجلابة... الذين تضرروا من منع تجارة الرقيق". أجاب المؤلف على كل هذه التساؤلات وغيرها باستفاضة في عمل تاريخي محكم وممتع يستند على تحليل الوثائق و شواهد الحال وروايات بعض كبار السن الذين زارهم مستقصياً و باحثاً عن مزيد من المعلومات و لمقارنة صحة ما تجمع لديه من مصادر أخرى.


الكتاب مهم و جدير بالقراءة و مما يزيده أهمية مساهمته غير المسبوقة في تناول تناقضات المهدية على مستوى الدعوة والحركة والدولة تلك التناقضات التي حملتها معها وغذَتها لتنفجر آخر الأمر و تتسبب في انهيارها، كما تتمثل أهمية الكتاب في أن المؤلف اهتم بتدوين جانب مهم من تاريخ المهدية أُهمل عمداً أو لسوء تقدير و في كلا الحالتين هو إهمال ضار بالتاريخ الذي لا ينبغي أن يكتب بطريقة انتقائية. و من الإضافات المهمة تصحيحه لبعض التاريخ الرسمي فالكتاب يخبرنا بالوثائق عن كثير جداً من القبائل السودانية التي ظلت في نزاع و قتال مع المهدية حتى آخر لحظة خلافاً للاعتقاد السائد بأن كل أو أغلب قبائل السودان قد أيدت المهدية وبقيت على هذا التأييد حتى النهاية. معظم من كتبوا عن المهدية انطلقوا إما من إعجاب مفرط جعلهم يجملون الوقائع ويتغاضون عن كثير من مثالبها أو من بغض قادهم لشيطنتها و عدم رؤية أي جانب إيجابي فيها، و هنا بالضبط تقع مأثرة د. محمد محجوب مالك و كتابه هذا الذي لم يجد ما يستحقه من التناول.