السبت، 21 مارس 2015

الدولة المستحيلة




اسم الكتاب: الدولة المستحيلة

الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي
المؤلف: وائل بشارة حلاق
المترجم: عمرو عثمان
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات
تاريخ النشر: 2014م




عرض: أسامة عباس



" لم يُعرَف قط مُطالب بحياة البشر أكثر نجاحاً من الدولة "
مايكل والترز


* يرى مؤلف هذا الكتاب أن مفهوم " الدولة الاسلامية " وفق التعريفات السائدة لما تمثله الدولة الحديثة، لا يمكن أن يتحقق، كما أنه ينطوي على تناقض داخلي، إذ يواجه المسلمون اليوم تحدي التوفيق بين حقيقتين: حضور الدولة القوي بمفهومها الحديث في مجتمعاتهم خلال القرنين الاخيرين، ثم الوجوب الأخلاقي لضرورة استعادة شكل من حكم الشريعة، وهو التحدي الذي لم يواجه بصورة يؤبه لها من قِبَّل الدولة في أيا من دول العالم الإسلامي. ويقول إن التناقض في مفهوم الدولة الإسلامية قائم في الأساس على مأزق الحداثة الأخلاقي، ذاكراً إن حل التناقضات في مفهوم الدولة الاسلامية الحديثة مرهونا بالتقاطه لمجمل مايوصف بـ" أزمة الاسلام الحديث" فى ارتباطها  بالأبعاد الأخلاقية لمشروع الحداثة، مما يعني أن حل تلك التناقضات كقضايا أخلاقية، يقود لحل المشكلات السياسية والاقتصادية، النابعة أساساً من هذا المأزق الأخلاقي.


* يُقدم وائل حلاق نقداً عنيفاً للحداثة ناظراً للدولة التي أنتجتها باعتبارها رأس الرمح في السيطرة على الإنسان وفي تصدير خطاب الحداثة، لتكون النتيجة في أجزاء كثيرة من العالم، هي الفقر والجوع والمرض، بسبب الإنسان الذي خلقته والنزعة التصنيعية الذاهبة لدمار البيئة، وليس بسبب الطبيعة، كما كان يحدث في الماضي، مضيفاً لتلك النتائج، التفكك الحديث وانتاج الفرد المغترب والمتشظي والنرجسي، ثم أثار هذا المشروع الحديث على على العالم الطبيعي. ليقدح، مستصحباً رؤية عدد من الكتاب الأوربيين، في صحة اختيار الاطروحات الأخلاقية  لتكوين هذه الحداثة، باعتمادها إمرة العقل وإيمانها المتعالي بأخلاق نقدية وعقلانية وانفصالها النهائي عن المبادئ الاخلاقية التقليدية، لتصير، قُدرة السيطرة على الانسان والطبيعة، هي الناظم الأساس أو النطاق الأخلاقي المركزي لإنسان هذه الحداثة.


* يُناقش المؤلف ماهية الدولة مُوردا عدداً من التعريفات الخاصة بها ، بيد إنه يركز على شكل الدولة وليس مضمونها المتعدد بتعدد المفكرين الذين قدموا تعريفات لها، ذاكراً إن خصائص هذا الشكل هي: في انها نتاج تاريخ محدد كان في اوربا، ثم في سيادتها الميتافيزيقية، أي المستمَدة من ذاتها، ليصبج تحديد ذوات مواطنيها مرتبطاً بذات الدولة، زائداً انتاجها للتشريع والهيمنة الثقافية والعنف. وفي ذلك اختلافها عما كان في الحكم الاسلامي، إذ أن هناك امة، أي مجموع من المؤمنين المتساوين، لاتملك السيادة، فهي لله وحده، وشريعته هي القانون الاخلاقي والسياسي والاجتماعي. لذلك لا يمكن أن يقوم نظام اسلامي دون هذا البعد الاخلاقي-القانوني والسيادة الالهية، كما لا تسطيع الدولة الحديثة أن تكون دون إرادتها السيادية الخاصة بها، أي حقيقتها وهي السلطة.


* قادت فكرة عصر التنوير التي سادت عن الذات المستقلة، إلي الفصل بين "ما هو كائن" و "ماينبغي أن يكون" أي فصل الحقائق عن القيم والأخلاق عن القانون، واعتبار الطبيعة موجودة لخدمة الانسان بلا معنى روحي أو قيمة، ليمكن بالتالي التعامل معها كشئ ودراسته بكل ما لدينا من وسائل تحليل بلا تبعات أخلاقية أو قِيمية، فصارت الدولة وإراداتها السيادية المتمثلة في القانون جزءاً من هذه الرؤية للعالم، بل هي واحدة من البناة الاساسيين لهذه الرؤية. خلافا لما هو الحال في الاسلام، إذ لم يفصل بين "ماهو كائن" و "ماينبغي أن يكون" فالحقيقة والقيمة هي الشئ ذاته، وما هو "قانوني" في القرآن والشريعة هو "أخلاقي" بالضرورة والعكس صحيح، إذ زود القرآن المؤمنيين المسلمين منذ البداية بنظرة للكون قائمة على قوانيين طبيعية أخلاقية، فحواها أن الكون مخلوق ليتمتع به الأنسان، لكن وفق مسؤولية أخلاقية عميقة.


* يقول المؤلف إن الضبط الذي مارسته الدولة الحديثة بواسطة المدرسة والسجن والأسرة المُعاد ضبطها، لايجاد ذلك المواطن المُدمَج سياسيا في ميتافيزقيا الدولة، حتى لصار يتعرف على نفسه فيها، أدى لتصير الامة أو القومية، بعد أن دُمِر النظام الاجتماعي القديم، هي الترياق للذات الحديثة، بل ويمكن الاستنتاج أن الإبادة البشرية وفظائع عصرنا هي منتجات هذه الدولة-القومية، بما هي سبيل للتماهي الروحي عِوضاً عن عبادة الألهة. بينما لم يعرف الحكم الإسلامي ذلك النمط من الضبط والمراقبة الشُرَطية الذي انتجته الدولة الحديثة، وكان التعليم حاله حال الشريعة مستقلاً عن السلطة التنفيذية، بمعنى أن هذه السلطة لم تكن تستطيع أن تنتج ذواتا مرتبطة بذاتية السلطة، فقد كانت ذات الشريعة هي محل العناية بالذات، ليبرز بالتالي ذلك الاتحاد القوي بين الأخلاق والقانون كنطاق مركزي لهذا النظام.


* يختم المؤلف كتابه، اعتماداً على هذا البعد الأخلاقي للشريعة، بتقديم مناهج عمل يراها في: الشروع بتقديم أشكال حُكَم جديدة قابلة للتطور مع إعادة التفكير في الوحدات التي تصنع النظام الاجتماعي-السياسي لمجتمات أخلاقية، تحتاج أن يُعاد لها ثراؤها الروحي، ثم في تفاعل المسلمين خلال عملية بناءهم لهذه المؤسسات الجديدة، مع نظرائهم الغربيين، لجعل الأخلاق هي النطاق المركزي، الشئ الذي يتطلب تطوير مفردات تهتم بمفهوم الحقوق في سياق نظام أخلاقي متنوع يناسب كل مجتمع، ليفهمها أؤلئك المحاورين، إذ أن أي نظرية حقوق ذات طبيعة أو نزعة عالمية، لا مصير لها سوى الفشل.



السبت، 28 فبراير 2015

الرسم على الهامش




اسم الكتاب: الرسم على الهامش
المؤلف: عبد الله محمد الطيب
الناشر:  دارسيبويه للنشر / بيرمنغهام-بريطانيا
تاريخ النشر: 2014م





عرض: أسامة عباس



* منذ سنوات طويلة كان عبد الله م الطيب، وهو بعد طفل، يرسم على هامش كتاب المدرسة، واليوم وقد تجاوز الستين من عمره يرسم في ذلك الهامش الذي إنسحبت إليه حياتنا الثقافية. وإذا ما استطاع هذا الهامش أن يبتلع ما كان يمكن أن يكون مؤسسة ثقافية في السودان، فإنه لم يستطع أن يُطفئ شغف هذا الفنان وعذوبته أو يُخفف من عناده، مثله مثل ذلك الطفل الذي يذكره في هذا الكتاب، طفل دفع أمه، بسسب إزعاجه وضجيجه، أن تقرر ذات صباح: (أسمع! بعدين لمن يفِكُوكُم من المدرسة، تمشي دكان جدك تنتظر أبوك وترجعوا سَوَا) ولم يَسَلَّم جده ولا دكانه من شغب الطفل وبحثه، ليحصل في ذلك الدكان على مجموعته الأولى من المجلات المصورة والكتب غير المدرسية وغيرها من اللقِيات.


* لا يحكي هذا الكتاب سيرة المؤلف، فهو يُخبر منذ البداية، إنها ليست سيرة ذاتية، لكنه استعان بلمحات كثيرة من سيرته، لإضاءة مشهد علاقته بالرسم والتشكيل وانخراطه في العمل الثقافي العام، منذ أن كان طالباً في المرحلة الثانوية، لينقل عبر هذه الإضاءة، العتمة التي يعمل فيها التشكيلي وتأملاته في الواقع الثقافي متقاطعاً مع السياسي في الفترة من أواخر السبعينات والثمانينات في السودان، متمنياً أن يتصدي أخرون، من مواقع مغايرة للرؤية، لتقديم شهاداتهم عن بعض ماذكر. أيضا شملت هذه التأملات/الشهادة، بعضاً من تجاربه في تدريس الرسم وعرض لوحاته، في كل من مصر وليبيا والسعودية، وأخباراً عن نشاطه التشكيلي في السودان وفي دول أخرى مثل الكويت وتيشكوسلفاكيا السابقة واليابان وألمانيا وفرنسا. 



* يحكي عن علاقة أمه بالرسم على الملاءات والمفارش ومراقبته وهو طفل لما تفعل، ويكتب عن مدينة طفولته القضارف واصفاً صيفها وألعابهم فيه ومايصنعونه من البقايا والمخلفات، ناظراً لأطفال هذا الزمان الذين حرمتهم أفلام الكرتون وألعاب الفيديو من أن يصنعوا بأنفسهم شخصياتهم ومغامراتهم. وبعين الرسام يحكي عن الحريق وتركه اللعب مع أقرانه، ليركضوا في إتجاه الدخان، حيث مشهد ألسنة اللهب المتدرجة ألوانها وصخب حركة الجموع الدرامية ورذاذ الماء المندفع من عربة المطافي، ويكتب عن الخريف وسُحُبه المُتشكِلة وزهوره وخروجهم في المرحلة الثانوية برفقة أستاذهم لرسم التلال المحيطة بمدينة القضارف، ليسأل:(أين ثورة التعليم من هذا؟!.. في جمعية الفنون بالثانوي تعلمنا الكثير).


من أعمال المؤلف

* من خلال تجربته الشخصية، متنقلا بين الحاضر والماضي، ينظر المؤلف لمعاناة التشكيلي في السودان، ليقول لم تكن كلية الفنون في السبيعنات تشبه أيا من المؤسسات التعليمية الأخرى، فهي كما سمتها إحدي قريباته يوم قبوله بها (كلية العلوم المختلفة) بما أتاحته من حرية لطلابها القادمين من مشارب مختلفة، مقارنا ذلك بما يحدث اليوم في الكلية. ويكتب عن قلة أو عدم وجود صالات عرض يؤبه لها، تتيح الفرصة لعرض أعمال التشكيليين، متحدثا عن تجربته الفاشلة مع صالة المركز الثقافي الفرنسي لعرض أعماله المتراكمة لديه منذ سنوات، ليقول بشروعهم، مجموعة من التشكيلين، في انشاء جمعية ثقافية حتي تقوم صالة عرض لتعفي من هذا الهوان. كما يخبر عن انجازهم لصالة عرض، طواها اليوم التغول والاهمال، بالمجلس القومي للثقافة بواسطة لجنة الفنون التشكيلية والمعمار، ابان عمله بالمجلس في الثمانينات. 


* لا يوفر المؤلف توجيه سهام نقده عن أحد، لا مؤسسات ثقافية ولا تنطيمات سياسية، اشتبكت مسيرة حياته ورؤاه بمسيرتها ورؤاها وتأثيرها في السودان، ليقول، وقد عمل مصمما بجريدتي الصحافة والأيام في السبيعنات والثمانينات من القرن الماضي، إنه شهد كيف يتم اعداد كادرها المطيع في زمن الشمولية. وعن اضمحلال دور الثقافة ومؤسستها يحكي تجارب من عمله بالمجلس القومي للثقافة. حتي "الجبهة الديمقراطية" التنظيم الطلابي الذي كان طبيعيا أن ينضم إليه، كما يقول، لم ينج من نقده ليسأل (هل كانت ديمقراطية حقاً؟). أما التنظيم الآخر "الاخوان المسلمون" الذي لم يكن خياره إذ نفر منهم منذ أن كان في المرحلة المتوسطة، كما يقول، وقد اتخذ بعض منسوبيهم من المدرسين من الحصص الدراسية ونشاط الطلاب ساحة للتبشير الايديولجي، ليقول، اليوم مع استلام المتأسلمين لمقاليد الحكم، صار ذلك التبشير غير الأخلاقي، منهجاً في كافة المدارس، يتم عبره إعداد النشء ليصيروا كوادراً للحركة الاسلامية.


* جاءت بالكتاب مستنسخات لقرابة الخمسين لوحة تشكيلية من أعمال المؤلف الجديدة، لكن الطباعة الرديئة لهذه الأعمال، وإزدحام الصفحة الواحدة، ذات القطع الصغير، بأكثر من عمل، يصل في بعضها أن توجد في الصفحة ثلاثة أعمال، أضاع فرصة أن يكون هذا الكتاب متعة مبهجة أكثر للنظر وللعقل، لكنه مع ذلك يُشكل إضافة مُعتبرة للمكتبة التشكيلية السودانية الفقيرة أصلا لهذه الكتب.




الأحد، 22 فبراير 2015

ربيع ثورة أكتوبر




اسم الكتاب: ربيع ثورة أكتوبر 1964م

المؤلف: د.عبد الله علي إبراهيم
الناشر: هيئة الخرطوم للصحافة والنشر
تاريخ النشر: 2013م









عرض: أسامة عباس  



(يُقال إنه كُتب على الذي يجهل تاريخه أن يعيده)

د.عبد الله على إبراهيم


* يريد هذا الكتاب دفع الافتراء عن ثورة اكتوبر 1964م التي حدثت في السودان، ناظراً في معرض هذه المُدافعة لانقلاب17 نوفمبر1958م باعتباره النطفة التي أخذت منها كل الطُغم اللاحقة قسماتها الدميمة، بدأً بسن الانقلاب لـقانون دفاع السودان 1958م المُروِّع والذي استنسخه كلٌ من، قانون أمن الدولة 1973م وقانون الأمن الوطني 1991م الحالي، وغير ذلك من القوانين والسياسات والأفعال. ويقول المؤلف إن فساد منهج المعارضة، جعل الكثيرين يغفرون لطغمة نوفمبر، إذ تبنت هذه المعارضة، بسبب تهافتها على السلطة، فكرة أن مايحدث من النظام الحالي ونظام نميري الأسبق جديداً وبدعةً، كذلك نظرت هذه المعارضة لثورة أكتوبر كمجرد أداة لتغيير النظم وليس كموضوع للوعي السياسي وحدث تاريخي يصعب فهمه بغير تحليل نظام نوفمبر. 


أكتوبر ليست صدفة


* القول بإن أكتوبر قامت صدفةً؛ واحد من الافتراءات والتخرصات التي يريد الكتاب دحضها، فذلك (من الظلم الصريح، أو الكسل المفرط) كما يكتب المؤلف، والصدفة نفسها بنت الضرورة، والثورة كانت لابد أن تقوم، في أكتوبر أو شهر آخر، والنظام كان قد شارف نهايته، بسبب جهد سياسي معلوم بُذل بقصد التغيير. ليقول إن أكتوبر بما تمخض عنها من حكومة شعبية جذرية، دفعت المعارضين من نادي الحاكمين في السودان لمناصبتها العداء منذ عامها الثاني، وإذ سموا أكتوبر صدفة (فلأنها ربما كانت أجمل من توقعاتهم وأذكى فوادا وأرحم بالمحكومين..)


* ويقدم مساهمة الحزب الشيوعي السوداني في ذلك التبشير والتحضير للثورة، ذاكراً إنها مساهمة يزعم لنفسه حضوراً فيها ومعرفةً بها وهي مما يليه، تاركاً الآخرين من القوى الأخرى، بعد الكف عن شُح النفس بنسبة الثورة إلى مجهول تاريخي، أن يشرحوا مساهمات قواهم المقدرة. وجاءت هذه المساهمة في خمسة محاور، هي: اقتراح الحزب الشيوعي على المعارضة والشعب خطة الإضراب السياسي في1961م، خروجه من جبهة أحزاب المعارضة، حفزه القوى الشعبية لاستعادة منابرها النقابية، دخول الحزب في انتخابات المجلس المركزي، ثم ترتيب وضعه الداخلي.


افتراءات وتخرصات


* قرنت الثقافة السلبية ذكرى اكتوبر بـ"التخريب" لا "التغيير"، فهي أفسدت الخدمة المدنية بالتطهير، وحلت الإدارة الأهلية، وأن شهيدها الأول أحمد طه القرشي مات صدفةً، وذلك ما يدحضه الكتاب بتأكيد، اشتراك القرشي في التظاهر ونسبته للحزب الشيوعي السوداني. وعن التطهير في الخدمة المدنية يدعو المؤلف عند النظر إلى الفساد أن ننظر إلى جهة المصالح والقوى التي يدعمها، وليس للطُهر الذي يُشاع عن هذا أو ذاك من الأفراد الحاكمين، ففي كنف نظام عبود نشأتْ طبقة استخدمت نفوذها في جهاز الدولة وعلاقاتها العالمية، لتتغول على حقوق الفقراء وتراكم رأسمالها. ثم يسأل هل كان التطهير للخدمة المدنية في أكتوبر جزافياً؟ وإجابته هي لا، عائداً لأعداد من صحافة تلك الأيام، ناقلاً أخباراً للجان تحقيق في الفساد لعدد من المؤسسات في الخرطوم وفي غيرها من المدن، كاتباً أن التطهير كان للخدمة المدنية وليس للخصوم بتلك الخدمة.


  * في سنة 1965م قدم الشفيع أحمد الشيخ إبان توليه وزارة شؤون الرئاسة في حكومة أكتوبر مذكرة لحل الإدارة الاهلية، ليُصار بسبب هذه المذكرة إلى لعن الثورة واليسار، رغم أن الحل تم في نظام نميري. ويُخبر المؤلف بتلك المذكرة التي جاءت في خمسة أبواب، منها مقدمة تاريخية عن الإدارة الأهلية قالت بغربتها عن واقع حياة الناس منذ الأتراك ثم إبان سنوات المستعمر الانجليزي الذي سخّرها لخدمته، وأُرفقت صحبة المذكرة شكاوى عديدة من مناطق مختلفة تُخبر بجورها. ثم ينظر المؤلف في نظام الإدارة الأهلية، قائلاً بأن التباكي عليه دائماً ما يصدر من صفوة الحكم والإداريين، الذين لامداخل لهم للمحكومين من أهل الريف سوى الإدارة الأهلية، مثلما فعل الإنجليز، وأنها وجهة نظرة واحدة تجاه الإدارة الأهلية، تلك التي يقدمها المتباكون، إذ لم يكتب بعد تاريخ الناقمين عليها من المواطنيين.


أكتوبر بعيون غربية


 * هي عيون الدكتور الأميركي كليف تومسون استاذ القانون ومدير معهد الدراسات الأفريقية بجامعة ويسكونسن- ماديسون، كان محاضراً بجامعة الخرطوم إبان اندلاع ثورة اكتوبر، كما يخبر المؤلف، ألَّف كتاباً عنها على ضوء معايشته لها ويومياته ومقابلاته لقرابة السبعين شخصاً من قادة أكتوبر ومن غيرهم. كما قام تومسون بتصميم كورس دراسي، انعقد في خريف 2006م، على ضوء الكتاب لطلابه في مادة القانون الأفريقي بجامعة ويسكونسن، فثورة أكتوبر في نظر تومسون (هي غاية الغايات لجامعة مطلبها من القانون تنزيل العدالة على الأرض).


السبت، 10 يناير 2015

الفيروس الليبرالي


اسم الكتاب: الفيروس الليبرالي
الحرب الدائمة وأمركة العالم
المؤلف: سمير أمين
المترجم: سعد الطويل
الناشر: دار الفارابي- بيروت
سنة النشر: 2004






عرض: أسامة عباس


* يبدأ سمير أمين كُتيبه هذا بحكاية يُقارب فيها الرؤية الليبرالية للمجتمع بمرض غامض، ظهر في أوروبا أول مرة في القرن السادس عشر، لكن تمت مقاومته هناك وتكونت الأجسام المضادة المناسبة، فانتقل عابرا الأطلنطي، ليعود مرة أخرى في نهاية القرن العشرين إلى أوروبا، قادما من الولايات المتحدة الأمريكية ذات المقاومة الضعيفة. ويُجمل أمين هذه الرؤية أو المرض بحسب مقاربته، في أربعة أفكار عامة هي: ارتباط الفاعلية الاجتماعية بالكفاءة الاقتصادية/ التوسع الكامل في السوق بقدر قليل من التقنين، مع التوسع في الديمقراطية دون الاهتمام بقضية الصراع بين المصالح الاجتماعية/  أمريكا هي نموذج البلد التى يجب أن يُحتذى/  لا بديل للنموذج الاقتصادوي الذي يُطابق بين السوق والديمقراطية وتكون فيه السياسة لخدمة الاقتصاد، وأن البديل الاشتراكي جُرب وفشل.

* تمثل الرأسمالية الخيالية و"مابعد الحداثة" خطابا الليبرالية الاقتصادي والايديولجي، بحسب المؤلف الذي يقول، إن الرأسمالية أو شبه نظرية الاقتصاد (المجرد) لا تقوم على مفهوم السوق وحسب، إنما على السلطة التي وراءه، لكن التحليلات السائدة للرأسمالية تترك الواقع الناتج عن الرأسمالية، والقائم على صراع الطبقات والسياسة والدولة ومنطق التراكم الراسمالي، لتنظر في نظام خيالي- يُسبَق عليه صفة العلم- يحكُمه السوق، ويُراد له الثبات باعتباره قانون لايمكن أن يتجاوزه البشر. أما مابعد الحداثة التي يدافع خطابها عن الخيار الليبرالي، فتعتمد على المُرقعات من خطاب الحداثة، الحداثة التي بدأت في أوروبا ولكنها لم تنجز أبداً لا في أوروبا ولا في أي مكان آخر، وانه خطاب يتغذي من التراجعات في خطاب التنوير، مُعتمِداً تقديم المديح للتنوع الموروث، دون تقديم النقد والجهد اللازم لتجاوز حدود العالمية البرجوازية، أو نقد محدودية خطاب التنوير.

* ويقول سمير أمين إن ماتُخَلِفه الليبرالية المعولمة القائمة هو الافقار الشديد لدول التخوم، ليعقب هذا الافقار، ذلك الخطاب السائد اليوم عن الحد من الفقر، وهو خطاب إحسان لايتصدى للسؤال عن الآليات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج الفقر. وفي دول المركز تسود ديمقراطية هشة، لاتستطيع السيطرة الاجتماعية على التحول الذي تحدثه الليبرالية. ليقول إن الديمقراطية هي إحدى الشروط الحتمية للتقدم، وهي مفهوم حديث مثلها مثل الحداثة التي نشأت مع الرأسمالية، ولم تصل لنهاية تتطورها الممكن، مُفضلا الحديث عن المقرطة بدلا عن الديمقراطية التي توحي بان هناك وصفة نهائية تعبر عنها. ويضيف إن التوسع في نيل الحقوق لم يتم لتطور الرأسمالية التلقائي، إنما بسبب النضال، عليه جَعَلَ الانخفاض في الانتقاد الاجتماعي، الديمقراطية فارغة من مضمونها الضار والمُهدد للسوق، لتصير إلى (ديمقراطية منخفضة المستوى).

*  ويتحدث في جذور الليبرالية عن الحداثة، قائلاً إنها نشأت مواكبة للرأسمالية خلال الانقطاع الذي حدث عن أساليب الحياة والإنتاج القائمة على اساس ميتافيزقي، لكن الحداثة، ظلت ملتبسة بشان قضية السلطة/الثروة، إذ قبِلت بالفصل الاعتباطي بين إدارة الاقتصاد (الملكية الخاصة/حرية المشروع/المنافسة) وبين إدارة الدولة بواسطة الديمقراطية، لتصبح الحداثة، بقبولها لهذا الفصل، فارغة من الممضون التحريري الذي تتدعيه، وتُقدم بالتالي وهي واقعة تحت قيود الرأسمالية، وعوداً لا تستطيع تحقيقها وتخلق آمالا محبطة. أما عن (الأيديلوجيا الأمريكية: الليبرالية بلا منازع) فالمؤلف يقارن بين الثقافة السياسية في كل من أوروبا وأمريكا، ليقول إن الثورة الفرنسية صنعت في أوروبا الأرض الصلبة للتفسيرات السياسية الحديثة، بينما في أمريكا لم يسمح التدين الذي يتميز به مجتمعها، بمستوى قوي من العلمانية، كما أن موجات الهجرات المتتالية جاءت مرتبطة بفكرة النجاح الفردي الذي يحبذه النموذح الأمريكي، ومنفصلة بالتالي عن النضال الجماعي في بلدان أولئك المهاجرون. ليقول إن الثورة الأمريكية التي يكيلون لها المديح، لم تكن سوى حرب استقلال محدودة بلا نتائج اجتماعية، لأن المستعمرون الأمريكان لم يكن يريدون إحداث أي تغيير في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، بل كان غرضهم الانفصال عن العرش الانجليزي، لذلك لايوجد حزب عمالي في الولايات المتحدة وأن النقابات لم تنتج في غياب هذا الحزب اية ايديولوجيا اشتراكية، بل ان هذه النقابات تشارك المجتمع في الايديلوجيا الليبرالية، في حين كان الشعب في فرنسا، حول كومونة باريس، يستعد للهجوم على السماء.


* ويقارن المؤلف كذلك بين الدولة في أوروبا وبين الدولة الأمريكية التي يراها مخصصة لخدمة الاقتصاد، أي من أجل رأس المال ولا تهتم بأية مصالح اجتماعية أخرى، خلافاً للدولة التي كانت في أوروبا، خاضعة للمصالح الاجتماعية، كما يتحدث عن هيمنة الولايات المتحدة المعتمدة على تفوقها الكاسح في السلاح، وليس لمزايا نظامها الاقتصادي، الذي يعيش عالة على شركائه في النظام العالمي، ليقول إن النضال ضد امبريالية الولايات المتحدة، هو معركة كل الشعوب.


* ويقترح سمير أمين في الفصل الأخير من كُتيبه عدداً من الفروض، للمناقشة، لإعادة بناء التضامن الدولي بين الشعوب، كدراسة واقع الامبرالية التي صارت جماعية، خلافاً للامبريالية ذات المراكز المتعددة التي كانت في السابق. والفرض الثاني أن الولايات المتحدة ليست صاحبة الأفضلية الاقتصادية الحاسمة وأن مشروع التحكم العسكري في الكوكب انما يجئ للتعويض عن النقص في اقتصادها. أما الفرض الرابع فيتمثل في ضرورة تحرر دول الجنوب من أوهام الليبرالية والبدء في أشكال تنمية معتمدة على الذات.


* ويجي الفرض الخامس في أن اختيار الولايات المتحدة للعسكرة الغرض منه أن يضرب في مقتل مصالح أوروبا واليابان، لذلك على أوروبا، وهذا هو الفرض السادس، أن تتخلص من الفيروس الليبرالي، ولن يتم ذلك إلا عبر شعوبها. أما السابع فهو بناء جبهة متماسكة للجنوب باشتراك شعوبه. والفرض الثامن هو قيام تضامن دولي بين شعوب أوربا وآسيا وأفريقيا وأمريكا. وأخير يختم سمير أمين فروضه التسعة، بضرورة مناقشة القضايا المتعلقة بالتنوع الثقافي، الذي يراه حقيقة واقعة لكنها مركبة وملتبسة، لأن التنوع الموروث من الماضي رغم شرعيته ليس بالضروة هو التنوع الذي سيحكم بناء المستقبل، اذ لايكفي الاعتراف بهذا التنوع، انما مايجب، هو البحث عنه، ليقول إن تقديم تصورات عالمية حقا، يشترك الجميع في إثرائها، هو الجدل الذي لايمكن إغفاله بعد اليوم.

الأحد، 28 ديسمبر 2014

الحداثة الممكنة





اسم الكتاب: الحداثة الممكنة
المؤلفة: رضوى عاشور
الناشر: دار الشروق المصرية
سنة النشر: الطبعة الثانية 2012







عرض: أسامة عباس



*  تتناول رضوى عاشور في هذا الكتاب بالبحث والدراسة كتاب (الساق على الساق فيما هو الفارياق) المنشور في سنة 1885 لأحمد فارس الشدياق، فهي تراه الرواية العربية الأولى والأهم، لكن هذا الاستحقاق أو اثبات ريادة "الساق على الساق" غرض ثانوي في كتابها هذا، إذ تنظر إلى ماترتب على منح الريادة لأعمال أخرى وعلى تهميش ماكتبه الشدياق، قائلة إن هذا التهميش وذلك المنح، يُشير إلى ( أن شرط كتابة الرواية يفترض أمرين: القطيعة مع الموروث "الابتعاد عن فن المقامة والسرديات"، وثانيهما الكتابة "وفق النموذج الأوربي"). وتسأل: لماذا أُسقط إنجاز الشدياق؟ ولماذا لم يُعتبر الرائد الأول للنهضة وقد طرح من موقع متقدم كافة القصايا الأساسية...؟ وتدفع بغير ذلك من الأسئلة.

* شمل الكتاب 15عنوانا/فصلا،عَرّفت بكتاب الشدياق وتناولت بنيته وملامح جمال وقوة الكتاب، وذلك في فصول (عنوان/ بنية الكتاب/ المقامة/ الشريك المعلن/ قبل أن يُوقدوا النار لحرق الكتاب). وتقول المؤلفة ان "الساق على الساق" نص روائي، و"الفارياق" فيه، شخصية أتوبيوجرافية "سيرذاتية" يدور حولها النص، بواسطة راوي يتتبع مراحل حياته منذ ولادته وطفولته في لبنان وترحاله واقامته في عدة بلدان أوربية وعربية، وأنه اسم نحته المؤلف من المقطع الاول من اسمه، فارس، والمقطع الاخير من اسم عائلته، الشدياق. أما عن اسم الكتاب "الساق على الساق" فتدفع المؤلفة بعدة تفسيرات/تأويلات تشير لدلالات مختلفة ومتنوعة ينفتح عليها العنوان ومن ثم الكتاب.

* وتتابع المؤلفة مكامن تلك القوة والجمال في فصول (أراك تقدر النساء ولاتبخسهن حقهن/ فاعلم أني قد خرجت من السلسلة/ الكتابة الساخرة 1-2) لتقول أن حضور المرأة في "الساق على الساق" لايقتصر علي ماتحتله من موضوع الكتاب، فالشدياق يقول أن المرأة واللغة هما موضوع كتابه، بل في مُخاطبتها كقارئة مُوعيّ بغيابها. وفي الحوارات التي تدور بين "الفارياق" و"الفارياقية" يبرز هذا الانشغال، لترى عاشور أن ماطرحه الشدياق حول المرأة لم يستطع "قاسم أمين" بعد ما يقرب من نصف قرن أن يتجاوزه، بل كان دونه. وأن ما طرحه الشدياق في منتصف القرن التاسع عشر، عن ذكورية اللغة وذكورية التراث، بدأت الكتابات النسوية الأوربية والأمريكية بتناوله في ستينات القرن العشرين.


* تتحدث المؤلفة عن الأثر الواضح للرحلة الكلاسيكية في الأدب العربي المرتبطة بالسيرة، في نص الشدياق، لكن "الساق" تزيد، عن الوصف والمعاينة، في التعبير عن الانا وغربتها ومشاعرها في المنفى، وهو مايجعلها تختلف عن السيرة القديمة في الادب العربي، التى تتناول الشخص العام، فالشدياق يوزع ذاته بين شخصيتين الراوي أو الشدياق نفسه، والفارياق الشخصية المتخيلة وإن ارتكزت على وقائع حياة المؤلف. لتقول عاشور أن الشدياق نفسه كان يعي هذا الاختلاف، إذ يكتب علي لسان الرواي/المؤلف (قيّدوا أنفسهم بسلسلة من التأليف واحدة) أما هو فيعلن (خرجت من السلسلة).

* تشير المؤلفة قبل تقديمها لنماذج عدة من سخرية الشدياق وأنواعها، إلى ان العامل الأساس لتطور توجهه الساخر، يعود لعِظم موهبته وقدرته على التحصيل العلمي الواسع بما يفوق كل أقرانه، وأيضا لوجوده، بموهبته هذه، في وسط قمع حريته وقمطه قيمته، ان في طفولته أو في كهولته. ومن نماذج سخريته التي توردها، تلك المحاكاة الساخرة لخُطب المُبشرين الاوربيين الذين كانوا لا يجيدون اللغة العربية ويتجولون في مناطق الشام للتبشير، فيكتب (يا أولادي المباركين الهادرين هنا لسماء هُتبيي وكبول نسيهني وموهزتي) وهو يريد أن يقول (... الحاضرين لسماع خطبتي وقبول نصيحتي وموعظتي) وكذلك (اهترموا كسيسكم وأساكفتكم ووكروهم واكتدوا بهم).


* وفي فصلي (حوار النصوص/غواية اللغة) تُخبر المؤلفة عن اكتناز "الساق على الساق" بالاشارات المباشرة والضمنية لكُتاب سابقين عرب وأوربيين وإلى أساليبهم في الكتابة، ويجئ ذلك إما لتأكيد اختلافه عنهم أو لتعزيز ما اتبعه من أساليب. ومن العرب تُذكر بن حجاج وابن صريع والدلاء وصاحب الف ليلة وليلة وغيرهم، ومن الاوربيين سويفيت ورابليه ولورانس ستيرن صاحب "الاسلوب المهلهل" الذي ابتدعه في "تريسترام شاندي". أما عن غواية الشدياق باللغة، فتقول المؤلفة انها لا تملك ما يكفي من العلم والتدريب في حقل الدراسات اللغوية والمعجمية، لتحيط بالانجاز اللغوي للشدياق وآرائه في هذا المجال، لكنها تقدم مجموعة من النقاط حول ولعه باللغة العربية واحساسه بتهديد يحيق بها وحول رأيه في علاقة اللغة باللغات الأخرى.


* كما ناقشت المؤلفة في فصول كتابها (الشدياق والمؤسسة النقدية 1-2) بعضا من الاراء النقدية المعاصرة التي جاءت حول ماكتبه الشدياق، كالاب لويس شيخو الذي كان رأيه في الشدياق سلبيا، وجورجي زيدان الذي أشاد بانجازه اللغوي، ثم لويس عوض الذي تستغرب المؤلفة خلطه في الفهم لبعض ماجاء بـ "الساق على الساق" ليضل بالتالي في الحكم علي الشدياق، لتسأل هل هذا الارتباك من قبل عوض جاء لأسباب طائفية شوفينية مصرية؟ أم لاختلاف في التصور للطريق الذي يجب أن تسير فيه النهضة؟. لتنتقل في فصل (القطيعة) لحديث نقاد عرب عن "الساق على الساق" وعن عدم رؤيتهم لها كعمل روائي، لتكون النتيجة - كما ترى- ان يَسهُل على الاجيال التالية تجاوزها، إذ كان البحث عن "روايات" تتوفر فيها الشروط المبكرة لنموذج الرواية الأوربية، هو المقصد.


*  وفي (فصل الختام) تقول رضوى عاشور بعد الإشارة والتحليل لظرف وقصيدة الشدياق التي دبجها للملكة فكتوريا في تهنئة مولد الامير آرثر، وبعد مناقشة لرأي "يحي حقي" القائل بثنائية الافندي والشيخ، تقول أن حداثة الشدياق في "الساق على الساق" كانت حداثة مناقضة للحداثة الكولونيالية القائمة على قطيعة تاريخية وثقافية مع الموروث، وأن "الساق على الساق" تحمِل (بذور حداثة ممكنة لاتملك مقومات الحياة فحسب بل تملك طاقة هائلة من الحيوية، تفتح آفاقا تغنينا وتغني البشر، عموم البشر لا العرب وحدهم، في مسعاهم للإحاطة بتجاربهم عبر صنوف البيان).



الثلاثاء، 9 ديسمبر 2014

من رقيق إلى عمال


اسم الكتاب: من رقيق إلى عمال
 التحرير والعمل في السودان الكولونيالي
المؤلف: أحمد عوض سيكانجا
الناشر: منشورات جامعة تكساس
سنة النشر: 1996




* يطالع قارئ  " في المكتبة  " اليوم، عرض الصديق والكاتب والمصور الفوتوغرافي أحمد آدم لكتاب (من رقيق إلى عمال - slaves into workers) للكاتب والأكاديمي السوداني أحمد العوض سيكاينجا، الذي صدر في الانجليزية منذ عام 1996 عن منشورات جامعة تكساس الامريكية. يتناول الكتاب موضوع الرق وتحول الرقيق إلى عمال خلال الفترة من القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن العشرين، في السودان. ولعل قراءتنا لهذا العرض تعطينا لمحة عن هذا الكتاب وأهميته وتُخبر بضرورة ترجمته للعربية حتى تعم الفائدة.

________________________


عرض: أحمد آدم*


* يُمثل كتاب (من رقيق الي عمال: التحرير والعمل في السودان الكولونيالي) الصادر بالانجليزية عن "منشورات جامعة تكساس ١٩٩٦" لمؤلفه أحمد العوض سيكاينجا، استاذ التاريخ بجامعة أوهايو، يمثل اضافة مهمة للأدبيات التي تناولت موضوع الرق في المجتمع السوداني. 


* يقارب سيكاينجا في هذا الكتاب، الذي يقع في ٢٧٦ صفحة من الحجم المتوسط، توظيف الرقيق المُعتَق في الاقتصاد الكولونيالي عبر استيعابهم كعمال بأجر في مشاريع الحكم الثنائي. ويذهب الي أن ظروف ووضعية القوي العاملة في السودان ما قبل الكولونيالي أثرت على سمات وملامح القوي العاملة التي ظهرت في ظل الادارة الكولونيالية. من أبرز هذه الملامح أن سياسات الادارة الكولونيالية تجاه العمال انبنت على خلفياتهم العرقية، بمعنى أن يتم تحديد مهام وانواع العمل بالنظر للخلفية العرقية للعامل، كالأعمال الشاقة أو أعمال الصرف الصحي. وهذا التمييز لا يقتصر فقط علي المشاريع الاقتصادية، بل شمل أيضا سياسات عمل الرقيق المُعتق في الجيش، وذلك باستيعاب أفرادا من مجموعة عرقية واحدة في نفس الوحدة العسكرية.


* يضم كتاب “من رقيق الي عمال” مقدمة وستة فصول وخاتمة، تناول الفصل الأول الرق والعمل في السودان ماقبل الكولونيالي، بين القرنين الثامن عشر والقرن التاسع عشر، ويوضح المؤلف أن الرق كان ممارسة شائعة في مملكتي الفونج والفور، لكن الحق في امتلاكه كان امتيازا يقتصر على السلطان والنخبة الحاكمة، إذ مَثّل امتلاك الرقيق مصدرا رئيسيا للثروة، كما تم استخدام الرقيق كجنود، عمال، وموظفي بلاط، أما الفائض عن حاجة المملكتين فيتم تصديره للخارج. وكان يتم جلب الرقيق من الغارات التي يتم شنها على الحدود الجنوبية للمملكتين، في جهات جبال النوبة، أعالي النيل الأزرق، دار الفرتيت، وجزء من ما يسمي الآن بأفريقيا الوسطى.


* ومع تزايد التبادل التجاري مع مصر، ووصول مجموعة كبيرة من التجار المسلمين ورجال الدين، والتوسع في استخدام العملة، أصبح امتلاك الرقيق فرصة للتفرغ للتجارة ووسيلة للترقي الاجتماعي وتغيير موازين القوى داخل مجتمع سنار، إذ برزت طبقة وسطى من التجار المحليين تبنت هوية عربية واحتكرت التجارة الخارجية، وكان معظم هؤلاء التجار في الأصل مزارعين ورعاة.



* كذلك أحدث الغزو التركي كما يوضح المؤلف تغييرات عميقة في البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع السوداني، مما جعل الحاجة كبيرة لعمل الرقيق خاصة في الانتاج الزراعي، إذ تدخلت الدولة في الاقتصاد، فبرز تَغُير في نظام اقطاع الأرض، وفُرضت ضرائب كبيرة على السواقي، وانتشر في منتصف القرن التاسع عشر تسليع الأرض والزراعة في المناطق النيلية شمال الخرطوم، خاصة محافظتي دنقلا وبربر، مما جعل الحاجة للأيدي العاملة كبيرة، فأدى ذلك لبروز طبقة من ملاك الأراضي اعتمدت على الرقيق بكثافة، ولم يكن هناك خيار للمزارعين من غير ملاك الأراضي سوى الانضمام لغزوات جلب الرقيق من الجنوب. من جهة أخرى كانت مقاومة الرقيق فردية ولم تتخذ صيغة العمل الجماعي المنظم، وان كانت ثمة مقاومة صامتة حاول فيها الرقيق خلق مجتمعات وحياة خاصة بهم داخل المجتمع الذي استعبدهم، كذلك شهدت المحافظات الشمالية هروب العديد من الرقيق الي الخرطوم وغيرها من المدن، ليؤدي ذلك الهروب لنواة لما عُرف لاحقا بديوم الخرطوم.


* يناقش الفصل الثاني الرق والعمل في العشرين عاما الاولى من النظام الكولونيالي، ويوضح المؤلف انه وبالرغم من غياب المشاريع الرأسمالية الضخمة في العقود الأولى للادارة الكولونيالية، لكن المنشآت التي خلقها النظام الكولونيالي، مثل خطوط السكك الحديدية، تشييد الطرق، وميناء التصدير في بورتسودان، احتاجت لأيدي عاملة بكميات كبيرة، لكن الادارة الكولونيالية واجهت صعوبة كبيرة في توفير الأيدي العاملة خاصة في السنوات الأولى، إذ كان معظم السكان يعملون بالزراعة ،الرعي ، أو التجارة، ولم تكن عندهم حاجة ضرورية لبيع قوة عملهم من أجل مرتبات، فلم تجد الادارة الكولونيالية خيارا سوى الرقيق المُعتَق أو الهارب كأيدي عاملة في المشاريع الكولونيالية. لكن تحول الرقيق المُعتَق أو الهارب لعمال بأجر كانت مهمة صعبة، لأن الرقيق المُعَتق كان يفضل الهجرة للمدن الكبيرة، وتأسيس أحياء خاصة بهم أو الانضمام للأحياء التي أسسها الرقيق المُعتَق قبلهم. فاتُخذت عدة اجراءات لاجبارهم على العمل، مثل سن قوانين تمنع التشرد في المدن الكبرى، وأيضا نظام تسجيل لحصر الرقيق المعتق.


* أما الفصل الثالث فيناقش نفس موضوع الفصل الثاني، لكن بالتركيز على الخرطوم، ومحاولة الحكومة الكولونيالية لتحويل الرقيق المُعتَق لعمال بأجر، إذ كانت الخرطوم بمدنها الثلاث مصدر جذب للرقيق المُعتَق والهارب، وذلك لما توفره من امكانية حياة جديدة خالية من علاقات وذاكرة الرق. ولكن وجد الرقيق المُعتَق والهارب ضغطا كبيرا من الادارة الكولونيالية التي سعت الى التحكم في حركتهم داخل هذه المدن الثلاث، تمهيدا لارسالهم للمناطق النائية كعمال.


* ويتناول المؤلف في الفصل الرابع الفترة من ١٩٢٠ حتى ١٩٥٦ وذلك بتحليل التحولات الاقتصادية والسياسية المهمة في السودان، التي صاحبت فترة الحرب العالمية الثانية، وأدت الى تسريع وتيرة تحرير الرقيق، وتطور العمل المأجور. وكانت أبرز هذه التحولات التوسع في انتاج المحاصيل النقدية، وتزايد الضغط العالمي على الحكومة الكولونيالية لتحرير الرقيق، والانسحاب المصري الكلي من الحكم الثنائي الكولونيالي. وجعلت هذه التحولات الادارة الكولونيالية تتخذ خطوات سريعة لألغاء تجارة الرق. رغم أن العديد من الرقيق الرجال نالوا حريتهم في أعقاب الاجراءات التي قامت بها الادارة الكولونيالية لتصفية مؤسسة الرق، لكن ظلت النساء المسترقات في قيد الرق لسنوات أخرى.


* يلقي الفصل الخامس الضوء على تطور القوى العاملة وانبثاق وعي نقابي في نفس الفترة التي تناولها المؤلف في الفصل الرابع، حيث شهد السودان خلال فترة الحرب العالمية الثانية أكبر توسع في القوي العاملة بأجر. ورغم أن هذه القوي قد تمت تجزئتها اثنيا ، واقليميا، كجزء من سياسة الادارة الكولونيالية لاستيعاب المجموعات السودانية المختلفة في الاقتصاد الكولونيالي، لكن شهد السودان ولادة أقوى نقابات واتحادات للعمال في أفريقيا والشرق الأوسط، ومثلت هذه النقابات قوة مؤثرة في المجتمع السوداني.


* وفي الفصل الأخير يركز المؤلف علي مدينة الخرطوم، موضحا أنه بنهاية العقد الثاني من النظام الكولونيالي، نال معظم الرقيق في الخرطوم حريتهم وانضم اليهم مهاجرين من مناطق نائية، وأصبح الرقيق المُعتَق جزءا من مجموعة مختلفة من الناس. وبعد قيام مشروع الجزيرة وقربه من مدينة الخرطوم، بنى الرقيق المُعتَق والعمال والمهاجرون، بنو في الخرطوم أحياءً ضاجة بالحياة وخلقوا ثقافة شعبية حيوية أثرت في السودان ككل. 


المؤلف في سطور


أحمد العوض سيكاينجا أستاذ التاريخ بجامعة أوهايو بالولايات المتحدة الأمريكية، له عدة مؤلفات عن السودان أبرزها "مدينة الحديد والنار: تاريخ اجتماعي لعطبرة مدينة السكة حديد السودانية (١٩٠٦-١٩٨٤)" و كتاب "غرب بحر الغزال تحت الحكم البريطاني، ١٨٩٨-١٩٥٦".


* كاتب مقيم في استراليا

الاثنين، 1 ديسمبر 2014

المكتبة السودانية العربية






اسم الكتاب: المكتبة السودانية العربية
المؤلف: د. مصطفى محمد مسعد
الناشر: دار المصورات للنشر والطباعة والتوزيع
سنة الطبع: 2014




عرض: أسامة عباس


* يضم هذا الكتاب ( المكتبة السودانية العربية) بين غلافيه اربعين نصا جاءت، عن السودان، متفرقة في ثنايا كتب عربية قديمة، امتدت النصوص في الفترة من 823 م وحتى 1525م. وتركز مجملها في الاخبار بحروب المسلمين للنوبة "رماة الحدق" وصلحهما، وعن ممالك البجة والنوبة وأهلها وأقوامها، وعن المعادن الموجودة وقدوم العرب لأجلها منذ قبل الاسلام، واتفاقات سفر الحجاج واديان امم السودان ونهر النيل.


 * قام بجمع النصوص وتحقيقها وكتابة حواشيها د. مصطفى محمد مسعد، إذ جاءت هذه النصوص كفقرات متفرقة في ثنايا تلك الكتب. يقول د. مسعد في مقدمته: ( يرجع التفكير في اخراج هذا الكتاب إلى أوائل الخمسينات، حين عكفت على جمع المادة العلمية لرسالة الدكتوراة، وموضوعها. "ممالك النوبة المسيحية اضمحلالها وسقوطها". ولقد اعترضتني - وقتذاك- عدة صعوبات، لعلها أهمها، ضياع الآثار التي خلفها عصر الممالك المسيحية في النوبة وندرة المصادر).


* ينقل نص (الواقدي) المولود بالمدينة سنة 747م،  الذي أخذ المؤلف/المحقق فقراته المختلفة من كتاب الواقدي (فتوح مصر والاسكندرية). ينقل النص خبر طلب مقوقس مصر النجدة من ملكي البجة والنوبة، عند اقتراب جيوش المسلمين من مصر بقيادة عمرو بن العاص، ليقول الواقدي أن تلك النجدة لم تصل، إذ نشب الخلاف يومها بين النوبة والبجا.


* وينقل نص اليعقوبي 897م الذي جاء من كتابه (البلدان) الإخبار بالمعادن وأنواعها ومناطقها في أرض البجة، واليعقوبي كان دارسا للتاريخ والجغرافيا ورحالة جاب أقطار العالم الاسلامي، كما جاء في حواش المؤلف/المحقق الإخبار عن إشارة الواقدي بوجود علاقات لبعض القبائل العربية بمناطق تلك المعادن منذ قبل الاسلام.


*  ومن النصوص التي جاءت بالكتاب ما كتبه ( البلاذري) سنة 892م نص بعنوان (صلح النوبة) من كتابه (فتوح البلدان) الذي يُخبر عن قتال النوبة الشديد "رماة الحدق" للمسلمين، ويكتب البلاذري ناقلا قول أحد الذين شهدوا المعارك مع النوبة ".. صافونا ونحن نريد أن نجعلها حملة واحدة بالسيوف، فما قدرنا على معالجتهم. رمونا حتى ذهبت الأعين، فعدّت مئة وخمسون عينا مفقوءة. فقلنا: ما لهؤلاء خير من الصلح، إن سلبهم لقليل، وإن نكايتهم لشديدة".


* ويصف نص ابن حوقل 961م المأخوذ من كتابه "صورة الأرض" وهو رحالة وجغرافي عربي مشهور استغرقت رحلاته ثلاثين عاما، يصف حدود بلاد النوبة وأرض البجا وبعض أخبارهم.


* كذلك يضم الكتاب نص لابن خلدون 1406م جاء بعنوان "العبر وديوان المبتدا والخبر" قام المؤلف/المحقق بتحريره من كتاب ابن خلدون الشهير، العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام  العرب والعجم والبربر ألخ عنوان الكتاب، في جزئه الخامس. كما شمل الكتاب على نص قصير للرحالة ابن بطوطة 1377م يخبر فيه بوصوله إلى عيذاب ميناء البجا الذي كان ينقل تجارة الحبشة واليمن والهند وتجئ اليه قوافل الحجاج، كما جاء في نص المقريزي "ذكر البجة".


* ومن المؤلفين الاخرين الذين وردت نصوص لهم في الكتاب، جاء: ابن الفقيه/ الطبري/ المسعودي/ القزويني/ بيبرس الدوادار/ النويري/ ابن اياس/ القلقشندي/ الادريسي/ ابن الاثير وابن عبد السلام الذي جاء نصه حول نهر النيل، وغيرهم من المؤلفين. وجاء الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى ضمن "مطبوعات جامعة القاهرة بالخرطوم" في عام 1972م، في 452 صفحة من القطع الكبير، وقام بتصميم غلافه الشاعر محمد الصادق الحاج.



المؤلف في سطور


 د. مصطفى محمد مسعد أكاديمي مصري عمل استاذا للتاريخ الاسلامي في كلية الآداب بجامعة القاهرة فرع الخرطوم سابقا، من كتبه "الاسلام والنوبة في العصور الوسطى".