اسم الكتاب: تقشير البصلة - سيرة ذاتية ومذكرات
المؤلف: غونتر غراس
المترجم: عدنان حسن
الناشر: دال للنشر والتوزيع - دمشق
تاريخ النشر: 2014
عرض: أسامة عباس
* يُعد غونتر غراس (1927-2015) من الشخصيات الثقافية المرموقة المُتدخلة في الشأن العام، في ألمانيا وخارجها، كاعتراضه على طريقة الوحدة بين الألمانيتين، أو اتهامه المستشارة الألمانية انجيلا ميركل بالجبن السياسي إبان أزمة التجسس الأمريكي على ألمانيا، وتنديده بإسرائيل وأمريكا في قصيدته (ماينبغي أن يُقال) أو رفضه حينما زار اليمن، عرض علي عبدالله صالح لمنحه وسام، مشترطاً قبوله بالكف عن ملاحقة الكاتب اليمني وجدي الأهدل الذي كان هارباً يومها بسبب روايته (قوراب جبلية). لذلك عندما صدرت هذه المذكرات أثارت الكثير من الضجة، وقوبل اعترافه بأنه كان ضمن إحدى الفرق القتالية الخاصة، زمن النازية، بالصدمة، وعُدَّ اعترافاً متأخراً، لكن هذا الاعتراف يظهر بالمذكرات كنتيجة طبيعية، في حياة فوارة لصبي ومراهق يضجره المنزل ويهجس بالفرار والمغامرة، وأمامه وحوله آلة دعاية حربية ضخمة تتشدق بقيم الإقدام والبطولة والتضحية من أجل الوطن. والبصلة هنا في المذكرات ذكرياته ينزع قشورها قشرة تلو أخرى، حتى تطن أذنه بسبب ماصمت عنه، لكنه يريد أن تكون له الكلمة الأخيرة.
* تَتَنَقّل المذكرات أو يدمج مؤلفها بين ماحدث له وماعالجه من تلك الأحداث في كتب سابقة، كأن يُخبر بمصدر تلك التفصيلة أو غيرها في تلكم الكتب، كما ينقُل مشاعره المشبوحة بين ماحدث ومايتذكره الأن، مبتدراً مذكراته بطفولته التي انتهت عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، واشتراكه في السادسة عشر من عمره، كرامي دبابة لم يطلق طلقة لكنه أصيب وأُسر، لتشغل الحرب ما يقترب من ثلثي الكتاب، حاكياً عن وداعه لأمه وأبيه وشقيقته الذين دمرت الحرب مدينتهم وطفقوا لاجئين، ليجدهم بعد عامين في مدينة اخرى. ويحكي عن رفيقهم في التدريب الذي منحوه اسم "نحنلانفعلذلك" بسبب افلاته كل مرة عن قصد للسلاح كلما قُذف إليه، مردداً عبارة (نحن لا نفعل ذلك) ليتم ابعاده دون أن يسأل المؤلف أو الفتى الذي كانه إلى أين أخذوه؟! فتطن أذنه بسبب ذلك الصمت.
* أفرد المؤلف للخوف والجوع للطعام وللنساء وللفن أوراقا كثيرة في مذكراته هذه، الخوف الذي بدأ يعرفه، منذ ركوبه لقطار الشحن/الحرب ورؤيته للمدن المحطمة بفعل القذائف والجموع الزاحفة في الشوارع والجثث المعلقة علي الأشجار، الي أن حدث الاشتباك وتشتت وحدات الألمان العسكرية، فسقطت منذ تلك اللحظة بالنسبة له سلطة الرايخ الثالث، السلطة التي كان ضعضعها من قبل عناد "نحنلانفعلذلك"، ليهيم وحده في الغابات والقرى الخالية، بحثا عن نجاة أو رفيق، إلى أن يجد عريفاً يدله للطريق، فيُمجّده مع جندي آخر عَلّمه إبان فترة الأسر، الطبخ الخيالي، إذ كان يقدم شروحاً مطولة لوصفات طعام متنوعة دون وجود لتلك الأصناف المشروحة، قائلا إنهما من صار يؤمن بهما، بعد أن أصبح غير متسامح مع أي ايمان، سواء بالفوهرر أو بالله، إذ أنقذ الاول حياته واستطاع الثاني أن يسكت جوعه، حتى ولو خلال فترة درسه التي كانت تستغرق الساعتين.
* وفي المجمل تكشف المذكرات بجانب تلك القدرة الإبداعية العالية على المزج بين الواقع والخيال واللعب بهما، عن شجاعة كبيرة في تناول الكثير من الوقائع الموجعة، لكن لعل كل ذلك سيبدو مفهوما عندما نقرأ ما كتبه عنه فولكر نويهاوس كاتب مذكرات غونترغراس وناشر أعماله الشعرية : ( يتبنى وجهة نظر غير مألوفة، يحاول الجميع أن يأخذها منه، إلا أنهم لا ينجحون. لا يمكن حرمان غراس من مزايا وظيفية أو راتب حكومي، ولا يمكن طرده من مكتب. كل ما لديه عمل هو بنفسه لإحرازه. والآن يقول البعض أن عليه التخلي عن جائزة نوبل، وهو الشيء الوحيد الذي يمكنه عمله. يمكنه أيضاً التخلي عن عضويته الشرفية في نادي القلم الألماني. إن غراس هو نموذج نادر لشخصية شهيرة ومستقلة في نفس الوقت، وهذا إنجاز يعود الفضل فيه له وحده).
اسم الكتاب: إدوارد سعيد والمؤثرات الدينية للثقافة
المؤلف: وليام د. هارت
المترجم: د. قصي أنور الذيبان
المراجع: د. أحمد خريس
الناشر: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث - كلمة
سنة النشر: 2011م
عرض: أسامة عباس
* في عام 1985 دار سجال بين مايكل فالزر اليهودي الأمريكي وإدوارد سعيد الفلسطيني الأمريكي، حول كتاب الأول عن قصة خروج العبرانيين/ اليهود من مصر وغزوهم لأرض كنعان/ فلسطين، لكن سعيد لم يقبل قراءة فالزر لذلك الخروج بأنه كان قصة حول الثورة، فشن مايسميه وليام هارت هجوما بالستياً على الكتاب. بيد أن مارأه هارت في ذلك السجال ومايحاول بسطه في هذا الكتاب، هو تمظهر ذلك الاشتباك الديني/العلماني لدن إدوارد سعيد الناقد العلماني، فيصيغ أربعة أسئلة لتحليل هذا الاشتباك: هل الدين وصفة جيدة للتضامن الإثني والعرقي والقومي ولماذا تتحول النقاشات المتعلقة بها الى نقاشات متعلقة بالدين؟. هل الوعي الديني والوعى النقدي غير متوافقين ليصبح الالتزام الديني تسوية للنقد الراديكالي؟. هل اكتمل نقد الدين كما قال ماركس وهل سيكتمل مستقبلا؟. ما هي نوع العلاقات الملائمة التي يمكن أن تربط النقاد العلمانيين مع الدين؟.
* يتضامن المؤلف مع إدوارد سعيد في ذلك السجال، لكنه يضع مسافة بينهما ليفحص هذا الاشتباك من خلال ما أنتجه سعيد، قائلا إنه خلافاً لمعظم النقاد العلمانيين حمل طوعاً عبء سؤال الدين، كما نظر إلى الثقافة كـ "مظلة مقدسة تَحوي وتُقصي في الوقت ذاته". لينطلق من خلال مايسميه بالمؤثرات الدينية للثقافة، أو التديّن الثقافي، للنظر في مفاهيم الثقافة والقومية والاستشراق والامبريالية عند سعيد وغيره من المفكرين، مناقشاً ما بداخل تلك المفاهيم، من تصورات عن الإيدلوجيا والطبقة والعرق، في إرتباطها مع الدين، وكمعميات أصبحت قارة، لتكون بالتالي محل نقد إدوارد سعيد، لما فيها من أشكال وعي زائف وإدراك خاطئ، ولأنها صارت نظام من التمثيلات يعمل على تعمية العلاقات الاجتماعية، ولأنها أصبحت الأوثان الجديدة للتبجيل.
* للنظر في رأي إدوارد سعيد حول التزام المثقف بقول الحقيقة للسلطة، يعود المؤلف لمناقشة حوار دار في سبيعنات القرن الماضي حول "الطبيعة الانسانية: العدالة أو القوة؟" بين نعوم تشومسكي وميشيل فوكو الذي يرى إن الحقيقة والسلطة هما الشئ نفسه، فيقول هارت إن الفرق بين فوكو المتأثر بنيتشه وتشومسكي الذي يناصره سعيد، يكمن في أن فوكو راديكالي معرفي "مهووس بنوع مستحيل من أنواع الذات الثقافية أكثر من هوسه بمجتمع جيد .." وإنه محبط تحكمه معايير الحالم المثالي، في حين تشومسكي راديكالي سياسي، يخضع لمعايير المحارب السياسي. ثم يقول إن فوكو يرى في موت الإله موتا للإنسان، ليكون إدوارد سعيد بالتالي ربما أقرب إلى نيتشه الذي يعتقد في قول الحقيقة وإن لم تكن للسلطة، من فوكو وريث نيتشه المفترض.
* يوافق هارت إدوارد سعيد في رؤيته لمفاهيم مشيل فوكو وجاك دريدا وتيارات مابعد الحداثة ومابعد البينيوية بكونها أخروية مسيحية وعودة للتدين المكبوت، لكنه يرفض عد العلمانية أنها الآخر للدين، إذ لايمكن برأيه فهم العلمانية دون الدين، فماركس ونيتشه لا وجود لهم لولا اليهودية والمسيحية، ولا وجود لإدوارد سعيد لولا الأخرويات الدينية المتنازِعة في فلسطين، ولا المسيح الدجال لولا المسيح. كما يرى أن التمايز بين العلمانية والدين لا أهمية له في النقد الراديكالي، فالمهم هو نقد تلك الاشياء المشتركة بينهما: الدوغمائية والتقيد الفكري وإلقاء المسوؤليات والسلطة المستبدة والسلطة المقيدة للحريات والرياء والكذب. ثم يقدم تصوره للبراغماتية و للتدين في معرض مناقشته لعدد من المفكرين الأمريكيين، ليقول إنه يمكن للمرء أن يكون علمانياً ومتديناً في آن، فالدين لا يشكل مشكلة إلا عندما يقوم بعلاج ما يمكن للسياسة أو الدواء أو التكنولوجيا ان تقوم به بشكل افضل.
* وفي ختام كتابه يعود وليام هارت لسجال سعيد ومايكل فالزر، رابطاً له بنزاع كان قد دار بين جان بول سارتر والبير كامو في خمسينات القرن الماضي حول الجزائر، ليتجدد ثانيةً بين فالزر وسعيد، قبل نزاعهما حول قصة الخروج، فالوضع في الجزائر، بحسب المؤلف، يماثل وضع فلسطين وإسرائيل المعاصر بالنسبة للاثنين.
اسم الكتاب: تجليات الذاتية في العمل الصحافي
أحد عشر درساً حول دور الأفراد في إنتاج الخبر
المؤلف: سيريل لوميو
المترجم: عز الدين الخطابي
الناشر: المنظمة العربية للترجمة - بيروت
سنة النشر: 2015
عرض: أسامة عباس
* يحصر هذا الكتاب نقاشه أو يُسلط نظرته، بواسطة باحثين اجتماعيين، على الصحافي/ة ووسائط الاعلام في فرنسا، عبر حالات/ نماذج مُتعينة منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا. لكن الكتاب برغم هذا الحصر يكشف، حول مسائل الذاتية والحرية واختيار مهنة الصحافة والابتكار فيها، الكثير مما يمكن تعميمه على كأفة الوسائط الاعلامية، وذلك من خلال قسميه (مجالات المناورة/ حب المهنة) اللذين ضما 11 فصلا قدمها 11باحثا وباحثة، عن صحافيين وصحافيات ووكالات أخبار وقنوات تلفزة وشبكات انترنت، ولم يعتمد هؤلاء الباحثون، أيا من الأطروحتين القائلتين: بـ إما الخضوع التام أو الحرية الكاملة، للصحافي/ة في المؤسسات الإعلامية، لأنهما كما يرون ليست واقعيتين ولا تُبرِزان ما يحدث بالفعل في صالات التحرير.
* لا تتمثل الإكراهات التي يواجها النشاط الصحفي/المهني في الامتثال لما يريده أصحاب المؤسسة فحسب أو رئيس التحرير الموجود غالبا تحت اشرافهم، فهناك إكراهات أخرى يبحث فيها الكتاب، كاشتراك مهنيين ذوي تخصصات مختلفة، منهم مديري أعمال لاعلاقة لهم بالصحافة ومسوقين اعلانيين، يساهم كل منهم بجزئية في المنتج الاعلامي، ثم في اضطرار الصحافي/ة للعمل وفق الزمن المحدد لتسليم المادة ووفق الحجم المحدد سلفا لمقياس المادة حتى لو اقتضى الامر تقليص حجم المادة لتناسب ذلك المقياس. أما الاستقلالية فيتحدث عنها مؤلفو الكتاب، في ذلك المستوى الصراعي/ التفاوضي بين المؤسسة والصحافي/ة ثم بين المصادر والجمهور، إذ لا يمكن النظر الى الاستقلالية من خلال ذلك التعارض البات بين الفرد والمؤسسة المنتجة.
* يقدم الكتاب تجربة موقع ميدبار الاخباري الالكتروني، في فرنسا، الذي تأسس في عام 2008 للإفلات من قبضة المؤسسة ورأس المال بواسطة أربعة صحفيين بينهم إيدوي بلينيل رئيس تحرير جريدة لوموند السابق وصاحب كتاب من أجل المسلمين، يقدمها كنموذج جديد للصحافة بعد انتشار الانترنت. إذ يتيح الموقع لقرائه الفرصة ليكونوا شركاء ومؤلفين في انتاج الخبر الذي يباع لهم، فالموقع يعتمد فقط على مايدفعه مشتركيه من مال، مع تغيير كامل في حسابات مقياس الزمن وحجم المادة، فلا يلاحق الموقع أي خبر، بل يتابع عددا قليلا من الأخبار المُختارة يعمل عليها خلال اليوم، مع اشتغال المحررين في أكثر من عمل من حيث التحرير والتقنية الرقمية، الشئ الذي يرفع مستوى الاستقلالية والقدرة الابداعية، كما يعطي الشعور بامتلاك عملية الانتاج.
* وفي الفصل المخصص لجان هيبوليت دو فيلميسان صاحب جريدة لوفيغارو الفرنسية، يرى الباحث أنه كان ينظر كتاجر للصحف التي أنشئها، أي باعتبارها منتوجات يجب العناية بشكلها وليس بمضمونها كي ترضي الزبون. وقد جاء فيلميسان أصلا، كما نقرأ في هذا الفصل، إلى عالم الصحافة بالصدفة بسبب صداقته لأحد المتعاونين بالصحافة، بعد تجارب تجارية عديدة فاشلة. ليقول الباحث إن هذا التصور التجاري أو الرهان العملي لفيلميسان ولأخرين، يمثل تغييرا في التحديد الادبي للصحافة، ليصير الصحافي/ة في هذا التصور، ليس مطالبا بالتفكير ككاتب يحمل رسالة تنوير الرأي العام، بل بكونه مجرد متعاون في مقاولة ذات هدف تجاري.
* ويتناول فصل (حفاظ المرء على مهنته كصحافي...) مسيرة حياة صحافي وجد نفسه مضطراً لتقديم استقالته من الجريدة التي عمل بها لأكثر من ثلاثة عقود، بعد تبدل ادارتها وتغير نظرتهم للعمل الصحافي. وذلك من خلال تسليط الضوء علي الطريقة التي كافح بها هذا الصحافي لممارسة مهنته كصحافي وانشائه لموقع الكتروني.. ليختم الكتاب قوله بانه أراد من خلال تلك البحوث الأحد عشر التي قدمها انه يمكن تحليل ظواهر مثل الشخصية والابتكار وحرية الاختيار بوصفها ظواهر اجتماعية.
إسم الكتاب: السياسة والنوع الاجتماعي (الجندر) في السودان
الإسلاموية، الاشتراكية، والدولة
المؤلفة: سوندرا هيل
ترجمة وتحرير: شمس الدين الأمين ضو البيت
الناشر: مركز سالمة لمصادر ودراسات المرأة/ الخرطوم
سنة النشر: 2011م
عرض: أسامة عباس
* بخلاف الرأي السائد عن امتلاك الشيوعيين والإسلاميين في السودان لرؤيتين متعارضتين تجاه النساء، ترى مؤلفة هذا الكتاب أن الحزبين كانت لهما نفس الرؤية أو ذات النظرة للنساء، إذ قام كلاهما، الحزب الشيوعي السوداني والجبهة الإسلامية القومية "المؤتمر الوطني" بمَوضَعة النساء لخدمة أهداف حركتيهما الذكوريتين. ولما كان فحصُ الباحثين في مجالات النوع الاجتماعي (الجندر) وجد، كما تقول المؤلفة، إن الدولة والأحزاب السياسية تخدم أجندتها الخاصة من خلال استغلالها للهويات الاجتماعية والثقافية للنساء، يصبح السؤال المركزي لخطاب النوع الاجتماعي (الجندر) هو: كيف تتجاوب النساء، يتأقلمن مع أو يتجاهلن، يَعَدن توجيه أو يُخربن، مشاريع الدولة والأحزاب السياسية لتشكيل سلوكهن وحياتهن وطرائق تفكيرهن؟ طالما هنَّ أيضاً فاعلات اجتماعيات ولسن متلقيات سلبيات.
* لا تخفي المؤلفة قلقها أو الكشف عن مآزقها الأخلاقية والمنهجية، المتمثلة في قضايا الثقافة والامبريالية والمركزية العرقية والطبقة، لكنها تتوقع أن تثير مآزقها/تجاربها هذه، وهي الأوروأميركية، الأسئلة القلقة حول القدرة التطبيقية للمنهجين الأنثربولوجي والنسوي، اللذين تتبعهما، عند عبورهما لحواجز العرق والطبقة والتخوم الثقافية. أما مآزقها الشخصية، وهي التي امتدت علاقتها بالسودان لخمسة وثلاثين عاماً، فتتمثل في الإخلاص والخيانة والهجران، لنجد نماذج هذا القلق/الكشف في نقدها للمركزية والنسوية الغربيتين وفي مناقشتها لعدد من النسويات الشرق أوسطيات، وفيما كتبته عن السودان واليسار السوداني الذي ارتبطت في علاقات شخصية مع بعضٍ من رجاله ونسائه، وفي مقابلاتها لعدد من النساء الإسلاميات، لتقول إنها في أحيان كثيرة لم تكن تعرف إن كان فيما تقدمه من وجهات نظر ناقدة بمثابة خيانة.
* صدرت الطبعة الانجليزية من هذا الكتاب سنة 1996م، لذلك تقوم المؤلفة في مقدمتها لهذه الطبعة العربية "المحررة" بالإخبار عما حدث من تغير في مسارها البحثي، كما قّدمت نقدها الذاتي للكتاب، ذاكرة عدداً من النقاط، كتركيزها على الإتحاد النسائي السوداني والحركة الإسلامية النسائية، غافلة بذلك عن غيرهما من المنظمات، ناظرة لذلك التركيز كقصور في التعريف لـ(السياسة) وكنعرة عنصرية، منعها مع غيرها من السودانيين عن النظر، لأنشطة أخرى ذات طابع تحرري وتنظيمي غير "السياسية" من التي تقوم بها النساء ولغير السودان الشمالي. كذلك تذكر إغفالها لنشاط النساء البارز بين الجماعات الداعية للسلام في مناطق الصراعات الدموية في جنوب السودان وجبال النوبة وفي دارفور، ولنشاط النساء في المنفى من الجنوبيات والشماليات.
* بالنسبة للمؤلفة يشترك الشيوعيون مع الإسلاميين بوضع المرأة في مكان الصدارة من "التغيير" وكمستودع للثقافة، باعتبار تحرير المرأة كان في واجهة النضال السياسي للشيوعيين، كما وضع الإسلاميون النساء والأسرة في المركز من الثقافة كأداة لإحياء الثقافة الإسلامية "الأصيلة"، لتقول إنه وفي سياق "سياسات التأصيل" هذه، اقترب كل من العلمانيين والاسلاميين من الجوهرانية، ببحثهما عن الجماهير السودانية "الحقيقية" والجذور "الأصلية" للإسلام السوداني. أيضا قامت المؤلفة بالنظر والتحليل في علاقة الحزب الشيوعي السوداني بالاتحاد النسائي رفيقة السفر كما سمته، قائلة إنها كانت علاقة استخدام للنساء كاحتياطي عمالة للثورة أو كـ (كورس إغريقي) لها، فالحزب لم يناصر أو ينخرط في أي نشاط تغييري جذري يهدف لإيجاد حلول للأدوار الاجتماعية النوعية الجندرية، حتى في داخل منظماته الخاصة، مع أنه كان أول من فتح عضويته للنساء في السودان.
* لا تنظر المؤلفة للإسلاميين أو الإسلاموية، في السودان، باعتبار أولئك المدافعين عنها في الجبهة الإسلامية القومية "المؤتمر الوطني" وحسب، فهي تضم إليهم مَنْ في حزب الأمة، عائدة لنهاية ثمانينات القرن الماضي، حينما تحالف الصادق المهدي وحسن الترابي زعيم الإسلاميين يومها، في حكومة "الوفاق الوطني" التي كانت بمثابة توجه إسلامي بدا ينطلق، يدعمه النشاط التجاري لحزب الإسلاميين. لتصير هذه العلاقة المتطورة بين الإسلام والتجارة، هي الوسيلة لإعداد البنية التحتية للطبقة الوسطى الجديدة من الإسلاميين، لتجد فيها النساء الإسلاميات بانيات الثقافة الإسلامية "الأصيلة" حظهن من الرفاه الاجتماعي، مع تحكم الحزب/الدولة في سياسات وصول النساء للمزايا والنفوذ على المستويين الخاص والعام.
اسم الرواية: في ساعة العلامات
المؤلف: جمال محجوب
المترجمة: راشدة رجب
المراجع: يسري إبراهيم
الناشر: المركز القومي للترجمة-القاهرة
سنة النشر: 2013
عرض: أسامة عباس
* عقب إندلاع انتفاضات العالم العربي في 2010 قامت صحيفة التليجراف الإنجليزية باختيار ثماني روايات رأتها تُسلط الضوء، أو تكشف عما يحدث في مجتمعات الشرق الأوسط الثائرة، وضمن تلك الاختيارات كانت رواية (في ساعة العلامات) وبالطبع أرادت الصحيفة باختياراتها هذه، أن تُقرب لقراءها صورة ذلك العالم الذي اندلعت فيه الانتفاضات، واليوم لم تخمد هذه الانتفاضات أو يتوقف تصاعُد أحداثها وتداعياتها المُزلزلة، كما أن الرواية، التي صدرت أصلا في اللغة الإنجليزية قبل عشرين عاما، تُرجمت قبل عامين إلي اللغة العربية، فما الذي تدورحوله الرواية، أو بالاحرى ما الذي تكشف عنه (في ساعة العلامات) وقد مر اليوم ما يقترب من القرن ونصف على تلك الأحداث التي جاءت حولها الرواية.
* تجئ الرواية في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، منذ أن أعلن المهدي مهديته/الثورة ضد الاتراك الحاكمين يومها للسودان، إلى أن انهارت دولة المهدية في سنة 1899 لكن القارئ يمكن أن يمتد بالزمن إلى الأمَام مائة عام أخرى، ففي الفصل الأخير يتم شنق (حاوي) أحد شخصيات الرواية الرئيسية، وهي حادثة تحيل إلى ما حدث في منتصف ثمانينات القرن العشرين، عندما أعدم جعفر محمد نميري المفكر الاسلامي محمود محمد طه، فالإثنان حاوي وطه، يتمتعان بذات السلوك الصبر والزهد والحكمة ويرددان نفس الأقوال، لكن الشبه بين الزمانين، الماضي والحاضر، لايقتصر على ذلك، فالعلامات تبزغ من خلال الأحداث وحياة الناس وفي أقوال الشخصيات الرئيسية، على امتداد الرواية.
* نقرأ من مفتتح الرواية (كان الغبار يهب بقوة في السهل الجاف العظمي كورقة تلتف من العالم الخلفي. رجل يسير وحيداً. في المدن والقرى التي تتلوى خلفه ...) إنه عبد الله التعايشي هائما يبحث عن إجابات لما يدور في رأسه، فسمع بالرجل : (سيدي مكتوب في أحلامي أنك المنتظر) ومثله حاوي ذو الذهن المتقد الذي ترك مجالس الدرس وطفق يجول ويبحث في البلدان، ثم عاد يوماً في أسمال بالية يطرق باب صديقه القديم يسأله عن مَنْ يسمي نفسه بالمهدي، ليُصقَع صديقه رجل الدين ويجيب سائلا: أأتيت بعد كل هذه السنوات لأجل هذا المحتال؟!. إلا أن الفرق بين الباحثيين كبير، فالتعايشي تبدل حاله وأصبح حاكماً إلى أن قتله أعدائه الانجلير، أما حاوي الهاجس بصلاح الدين والدنيا، صار ناصحاً للحكام وقاضياً في شئون العباد، إلي أن مات مشنوقاً بين أهله بتهمة الزندقة.
* جموع من الفقراء/المؤمنيين تزحف في الصحراء لتلحق بالمهدي في الأبيض وفي أمدرمان، فقراء لم ينقص فقرهم في زمان الأتراك ولا بعد تحرير الخرطوم، وانتقال زمام الحكم إلى المهدي، وخليفته من بعده عبدالله التعايشي، فقراء يخوضون الحرب، في جهة الشرق والشمال، بايمانهم ولنصرة الدين بلا زاد أو عتاد، لكن الحرب، كما يقول الكدرو أحد شخصيات الرواية، كانت بين الأمس والغد، بعد أن شاهد آليات الجيش الانجليزي في وادي حلفا لبناء خط السكة الحديد. وفي أمدرمان كان الشيخ حاوي ينتظر معركة كرري في ترقب وخوف، لأنها كانت فرصة، ليس لطرد الانجليز وليس لأن المهدي قال ذلك، بل فرصة لأهله: هل سيتعلمون كيف يستمعون إلى بعضهم البعض، كيف يمكنهم تحقيق العدل، كيف يحكمون أرضا واسعة كهذه، وهم يحتاجون إلى الوقت.
* جاء في نهاية الكتاب/الرواية مسرد حوى عدداً من الكلمات التي أعتبرت غريبة، مثل عنقريب وجِبَّة وقُرّاصة وراكُوبة وغيرها من الكلمات، لكن مايثير الاستغراب ليس وجود المسرد، بل الأخطاء التي صاحبت كتابة بعض كلماته، ولم تقتصر هذه الأخطاء علي ذلك وحسب، إذ شملت معظم أسماء الأعلام والشخصيات والمناطق التي وردت بالرواية، مثل شيكان وكرري والقلابات وشمبات ولبب مسقط رأس المهدي وأسماء عبدالله التعايشي والأميرين علي ود حلو ومحمد عثمان أبو قرجة وغير ذلك كثير، وهو ما كان يمكن حله بسهولة، عبر الاستعانة بأياً مِن مَنْ يعلم بهذه الأعلام، مصريا كان أم سودانيا! ولكن لابأس.. فنحن أنفسنا لم نستطع أن نُوجِد في السودان مؤسسة ثقافية تضطلع بمثل هذه المهمة الجليلة، التي يضطلع بها (المركز القومي للترجمة) في القاهرة، كنشره واصداره، كمثال، لهذه الرواية.
اسم الكتاب: أصوات في الثقافة السودانية
مجموعة مقالات
المؤلف: مكي أبو قرجة
الناشر: دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات- القاهرة
الطبعة الثانية: 2014م
عرض: أسامة عباس
* في واحدة من مقالات هذا الكتاب يكتب المؤلف، ان خورخي لويس بورخيس في" مرآة الحبر" حكايته السحرية حول ذلك المريض الذي حكم السودان في منتصف القرن التاسع عشر، لم يأبه لتفاصيل التاريخ أو يتحرى دقته فذلك لايعنيه. ونعم لاتوجد في هذا الكتاب حكايات سحرية، بل مقالات صحفية حول نخب ثقافية ووقائع ومدن سودانية، لكن المؤلف توسل في كتابتها بقدرته العالية على الحكي والاسترسال السلس والمُتقطّع، دون أن يحفل كثيرا بتثبيت مَراجِعه، وإن فعل يجدها مُطالع الكتاب مبثوثة في ثنايا مقالته، المستندة على قراءاته وترجماته ومشاهداته ومارواه له شهود وعلى أحاديث ومراسلات شخصية بينه وبين أطراف أخرى.
* تظهر جليا في هذه المقالات، محبة المؤلف الكبيرة لكل ما يكتب عنه، يكتب في مقدمته: ( نفعل ذلك في دُجى ليلنا هذا الطويل، فنستدعي بمحبة واحتفاء وجوها عزيزة لنفر كريم من مبدعينا أدباء وفنانين ومؤرخين ومعلمين ومناضلين ونقابيين ومتصوفة وقديسين، رجالا ونساء وأشخاص عاديين من غمار الناس..). ويكتب عبد الجبار عبد الله في الغلاف الأخير من الكتاب ( ولئن كانت المحاذير والإلتباسات الفكرية العديدة، قد أحاطت بمصطلح "الثقافة السودانية" بحد ذاته، وأدخلت استخدامه السائب المطلق، في دائرة النقد والحذر لأسباب ثقافية تاريخية معلومة، فإن هذا الحذر ينتفي تماما مع تصفح هذا الكتاب، الذي يسهم إسهاما مقدرا في تقديم النموذج والمثال، لما تعنيه "الثقافة السودانية" ..).
* يحكي المؤلف في مقالة ( قصص ونودار مع "أصوات وحناجر") مستفيدا من نشرة ثقافية، باسم "أضواء" كان يكتبها الراحل عثمان حسن أحمد بخط يده وأحيانا بماكينة الطباعة، من واشطن حيث عمل مستشارا ثقافيا لسفارة السودان، يحكي عن متاعب الأخير عندما هَمَّ بجمع أوراق وترجمات أستاذه الرائد المسرحي وواضع المناهج ببخت الرضا الدكتور أحمد الطيب، ذاكرا إن عثمان أحمد كتب لأكثر من ستين شخصا من السودان، رد عليه أقل من ثلثهم. وراسل مؤسستين بريطانيتين وأربعة من الفرنجة ردوا عليه أجمعين. ليقول إن محاولاته لجمع مادة الكتاب وطبعه استغرقت أكثر من عشر سنوات، ليصبح ذلك الكتاب " أصوات وحناجر" الذي جاء في عشر فصول تناولت الأدب والمسرح والمجتمع والتعليم.
* وفي مقالة أخرى يكتب، في عام 1948 جاء الخبر الفاجع مات صلاح بشرى الطالب السوداني الشيوعي والسجين السياسي من جراء التعذيب في مصر زمان الخديوية، وخرج الطلاب من جامعة فؤاد في تظاهرة تندد بالاغتيال انضم لها عشرات الآلاف من العمال المصريين في ميدان التحرير، هاتفين ضد الاستعمار والسراي، ثم توجهت الحشود بعد ذلك لتصلي على جثمان الشهيد في مسجد الكخيا بميدان "الأوبرا". وكان القصر أعد طائرة خاصة لينقل الجثمان من القاهرة إلى عطبرة حيث تعيش أسرة الشهيد، وانتدب أحد الباشوات يمثله ليرافق الجثمان ويقدم واجب العزاء لأسرته وللشعب السوداني، لكن طلاب الجامعة أصروا أن يرافق الشهيد أحد قادة الطلاب فكان والقى هناك في عطبرة خطبة نارية هتفت "بسقوط الملك فاروق عدو الشعب وقاتل صلاح".
* ومما رواه له شهود في عائلته يكتب المؤلف في مقالته ( مأساة مؤرخ.. افترسته الذئاب ) عن إسماعيل عبد القادر الكردفاني الذي كتب " سعادة المستهدي بسيرة الإمام المهدي" وكتاب " الطراز المنقوش ببشرى مقتل يوحنا ملك الحبوش" وغيرها من المخطوطات الضائعة. وكان الخليفة عبد الله التعايشي قام بسجنه مع مجموعة من امراء وقادة الامام المهدي مثل محمد خالد زقل ومحمد عثمان أبو قرجة وإسماعيل شجر الخيري، في جزيرة على النيل الأبيض قرب جبل الرجاف البركاني في جنوب السودان، مليئة بالحيات والتماسيح والسلاحف، لتضاعف هزات الجبل البركانية من هول الرعب، لإولئك المسجونين السياسيين في أكواخ صغيرة أعدت كزنازين بعد أن قُيدت أرجلهم بالسلاسل، فاستطاع أحد الذئاب أن ينتاش في لحم الكردفاني حتى الموت وأصحابه يسمعون صراخه لكنهم عاجزين عن الوصول إليه بسبب السلاسل.
* نُشرت مقالات الكتاب قبلا بصحيفة الاتحاد بأبوظبي، عدا مقالتين، في الفترة (2000-2004) وبلغ عددها 91 مقالة جاءت في 492 صفحة من القطع الكبير، كتب المؤلف فيها عن أكثر من ستين شخصية سودانية وغير سودانية، مثل رابح فضل الله والقديسة جوزفينا بخيتة، مرورا بخليل فرح، محمد أحمد المحجوب، حمزة الملك طمبل، عبد الرحمن عبد الله، محمد المهدي المجذوب، جمال محمد أحمد، أحمد الطيب، التجاني الماحي، رينقو باولينو دينق، حاجة كاشف، فاطمة بابكر، أزماي توماس، إبراهيم زكريا، عبد الله رجب، إحسان عباس ورفاعة رافع الطهطاوي وغيرهم. وكتب عن مدن، مثل عطبرة وأمدرمان وكوستي والفاشر ومدرسة رمبيك الثانوية، ليصير الكتاب، إذا جاز هذا التوصيف، بمثابة تاريخ اجتماعي ثقافي لجزء ليس قليلا من حياتنا الثقافية في السودان.
اسم الكتاب: ثورة نوبل
المؤلف: شافي آيين
المصور: كيم مانريسا
المترجم: ناصر مريخان
الناشر: ثقافة للنشر والتوزيع-الإمارات
تاريخ النشر: 2011م
عرض: أسامة عباس
(المؤلفين لا ينشأون في بيوت خالية من الكتب)
دوريس ليسينغ
* بدأت فكرة هذا الكتاب عندما طلب المصور (كيم مانريسا) من رفيقه (شافي آيين) أن يحصل له على إهداء، من أيا من الأدباء الحاصلين على جائزة نوبل، لكتابه حول التعليم، الذي يحوي مجموعة من الصور التقطها في مدارس كثيرة من قارات العالم الخمس، لتتطور الفكرة، بقيامهما معاً خلال ثلاثة سنوات، لمحاورة وتصوير ستة عشر كاتباً وكاتبة من النوبليين. ولم تجئ هذه الحوارات في ذلك الشكل التقليدي المعروف، صيغة سؤال وجواب، بل جاءت كل مُحاوَرَة في قالب مقالة ينسجها المؤلف/المُحاوِر من ملاحظاته المتنوعة وإجابات مُحاوَرِيه وتعليقاتهم، كما صاحبت كل مقالة/مُحاورَة فقرة طويلة أشبه بالتقرير تُخبر بالقضية التي يكرس لها الكاتب والكاتبة وقتهما صحبة عملهما الأساس، الكتابة والتأليف، إضافةً لعدد من الصور الفوتوغرافية المُلتقطة من زوايا مختلفة لكل من المُحاورين الذين شملهم الكتاب.
* يذكر (شافي آيين) انهما سرعان مااكتشفا بعد نهاية جولتهم مع هؤلاء الكُتّاب، التزام معظمهم بقضية لا ترتبط بالأدب، فَهُم لايستوعبون دورهم في المجتمع، بحسب قوله، دون التدخل في هذه الجوانب أو تلك، من التي تتجاوز حدود الثقافة، رغم شعورهم بأنهم على هامش حياة مجتمعاتهم. فالكاتبة الجنوب أفريقية (نادين غورديمر) مثلا، تشغلها قضية الإيدز في بلادها. و(غونتر غراس) تشغله قضية الذاكرة التاريخية، يقول، لمحاورييه الإسبانيين، إن مايعجبه في بلدهما أنهم لايزالون يتجادلون حول الحرب الأهلية، التي حدثت في ثلاثينات القرن الماضي. بينما يدافع (في س نايبول) عن حقوق الحيوان، مُمولا عددا من أماكن إقامتها في كل من الهند والباكستان، وبسبب من التزامه هذا، لايزور الصين لأن تعاملها مع الحيوانات رهيب، قائلاً: إن الصين أسوأ مكان إن لم تكن من جنس البشر.
* تبدأ رحلة الكِتاب بـ ( وول سوجينكا) الذي قام المؤلفان بزيارته في "آبيوكوتا" بلدته التي ولد فيها، تبعد مسافة ساعة ونصف عن لاغوس/نيجيريا، حيث يعيش في بيت بناه وأقام فيه ورش عمل للكُتاب، بعد كسبه لمال جائزة نوبل، الذي يقول عنه: لقد كسبت مالا أكثر مما كسبت أجيال من عائلتي مجتمعين. ويقود سوجينكا ضيفيه في جولة لسوق بلدته، فيلتقط له أحدهما صورة يظهر فيها وإحدى النساء تلتقط له صورة بعدسة هاتفها النقال، فهناك يسمون (سوجينكا) مانديلا نيجيريا، وقد طُلب منه أكثر من مرة أن يترشح لرئاسة البلاد، لكنه رفض. وماذا عن وزيراً للثقافة؟ لااااا الفنانين أكثر الناس إثارة للمشاكل، ليقول إنه يُفضل أن يكون وزيرا للسجون قبل ذلك.
* وهكذا تتواصل رحلات المؤلفيين، ليقودهما الكِتّاب إلى لندن حيث البريطانية (دوريس ليسينغ) ذات الثمانية والثمانين عاما، يقول شافي آيين، كانت بثياب المنزل وطبيعية جداً، وبعد أن سمحت لهما بالتقاط الصور، سحبت البطانية من الأريكة وطلبت منه الجلوس بقربها، كانت تلك الأريكة مكان نومها، فهي لاتسطيع الصعود لسريرها في الطابق العلوي بسبب آلام الظهر. ويدور الحديث عن روايتها (الأنثي) التي تجئ أحداثها في عصر رجل الكهف رَاوية اللقاء الأول بين الرجال والنساء، لتقول إنه يمكن قراءتها كحكاية رمزية لموضوعات المتعة والعمل والمسؤوليات بين الجنسين. ولدت (ليسينج) لأبوين بريطانيين في إيران، ثم عاشت جزءاً من حياتها في زيمبابوي. قالت في خطبتها لجائزة نوبل إن الحكومات مصدر خجل لمواطنيها، كما دعت بضروة ارسال الكتب إلى القرى النائية المنسية، لأن (المؤلفين لا ينشأون في بيوت خالية من الكتب).
* في استهلاله لمقالة/مُحاورة (توني موريسون) يقول المؤلف تبدو أمريكا لزائر أوربي عادي، مشكلة عرقية، ففي الفندق عاملة التنظيف من العرق الأسود وعبر النافذة يمكن رؤية ست رجال من العرق الأسود ينامون على الرصيف، لكن الأمور تتغير، كما يقول، ففي شاشة التلفزيون يظهر كل يوم رجل أسود هو رئيس البلاد، روايته المفضلة هي "نشيد سليمان" لـ (توني موريسون) التي تحظى باحترام كبير في بلدها، بل إن الناس يوقفونها في الشارع لتحيتها ومعانقتها، فتخبرها إحداهن وكأنها تعرفها منذ زمان طويل ( لم أعد أعجب زوجي كثيراً، أتعرفين؟). في لقاءها الأول مع المؤلفيين رفضت التصوير، قائلة لهم: ( لا، لا تلتقطا لي الصور الأن! انتظرا حتى حفلة نهاية العام في الجامعة، لو سمحتما. عندها سأتأنق وأتجمل).
* من الكُتّاب الآخرين الذين جاءت لهم حوارات/مقالات بالكِتاب، غاو كيسنغجيان، غبريال غارسيا ماركيز، نجيب محفوظ، إمرة كيرتش صاحب " لا مصير". ثم كينزابورو أوي، وديرك ولكوت الذي يفتخر بالمزيج. وويسلاوا زيمبورسكا، داريو فو، والتركي أورهان باموق الذي يقول ( لست مختبئاً، أنا أعيش في اسطنبول) إذ كانت خرجت إشاعة تقول بهروبه خارج تركيا، بعد تهديده بالموت من قبل القوميين المتطرفين من الأتراك، لإعلانه أن هناك أكثر من مليون أرمني وثلاثين ألف كردي، يمكن إثبات أنهم قتلوا في تركيا.