الجمعة، 25 أغسطس 2017

الكوشي التائه


المؤلف: ميرغني أبشر
الناشر: المصورات للنشر والطباعة والتوزيع-الخرطوم
تاريخ النشر: 2017





* يفتح هذا الكتاب الصغير أكثر من كوة للنظر في غوامض تاريخ السودان الوسيط، بما يتبعه من مناهج لهذا النظر، وفي نظرته لأصل الفونج مؤسسي مملكة سنار (1504-1821) الذي تتنازعه عدة روايات، كأنهم من أصل أموي أو أصل شلكاوي ورواية ثالثة من البرنو ورابعة تنسبهم الى النوبة، لكن المؤلف لايقبل بكل هذه الروايات، قائلا بارتباط نسبهم لملوك الشمس الكوشيين، معتمدا في ذلك على تحليل لغوي وثقافي لعدد من الوثائق والحكايات، وقد وضع المؤلف كمدخل لكتابه الآية (20) من سورة المائدة (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ) ثم يسأل: متى كان قوم النبي موسى ملوكا قبل سليمان وداؤود؟ وأين؟ قائلا بقراءته في "وثيقة اللغة والمنقول الثقافي" أن معنى بلاد الواوات، الاسم القديم للسودان، هو: أرض التأمل والإلهام، حيث اجتماع آلهة الأولمب السنوي، كما جاء في موسوعة هوميروس، ثم يقول بإن كل المعارف والمعلومات الأركيولوجية التي جمعت وتراكمت على مر السنين، حول مملكة سليمان، أكدت صعوبة ملائمتها مع الرواية التوراتية القائلة بان أصول إسرائيل في كنعان/فلسطين، مما يدفع بإمكان أن تكون هذه الأصول في عمائر حوض النيل الكوشية، ويقول كذلك بلا إسلامية سلطنة الفونج، أو صورية الإسلام فيها، إذ لم يوجد في سنار مسجد جامع إلا بعد مرور مائة وواحد وأربعين عاما من قيام السلطنة، وان الكثير من العادات والطقوس غير الإسلامية ظلت باقية بعد ذلك التاريخ

---------------------------

* ميرغني أبشر مؤلف هذا الكتاب باحث وكاتب درامي من مواليد منطقة فتوار/بربر في 1970م.

الخميس، 17 أغسطس 2017

أطفال منتصف الليل



   * بعيدا عن الضجة المُضَلِلة التي صاحبت اسم سلمان رشدي في العالم العربي والإسلامي، تُمثل رواية (أطفال منتصف الليل) عملا ممتعا وكاشفا بامتياز، وقد صدرت ترجمتها العربية عن دار التكوين ومنشورات الجمل في 2009، لمترجمها عبد الكريم ناصيف، وكانت صدرت قبلاً ترجمة ناصيف لها في 1985 في دمشق، لكن بعد أن انتشرت ضجة التحريم والتكفير، اختفت الرواية وقل الحديث عن الروائي، ليظهر بدلاً عن ذلك، عاليا، اسم سلمان رشدي الروائي، كمرتد، وهي الرواية التي أظهرت جليا اسم مؤلفها في العالم الأدبي، عندما صدرت أول مرة عن دار نشر إنجليزية، وكانت الاوساط الأدبية البريطانية بشرت به قبل ذلك الصدور ضمن (معالم نثر بريطاني مغاير بفضل أسماء جديدة انحدرت من عوالم الهجرة والمستعمرات السابقة خاصة الهند وباكستان والبنغلاديش..) كما نشرت له غرانتا، المجلة البريطانية الأدبية العريقة التي تأسست عام 1889، مقاطع من ذات الرواية في 1979.








عرض: أسامة عباس 

  
   * كتب الشاعر عباس بيضون: ( كنت من الذين قرأوا "أطفال منتصف الليل" من ترجمة عبد الكريم ناصيف السوري، الصادرة يومذاك عن وزارة الثقافة السورية بعد أن وقعت في يدي بالصدفة.. لا أعرف من قرأ من الروائيين رواية رشدي. لكني أحدس أنهم لم يكونوا قليلين. لا أعرف كيف كان تأثير رواية رشدي في الرواية العربية. هذا سؤال صعب، لكن أظنه كان ملحوظاً على بعض النتاجات، أذهب إلى أن عمل رشدي هذا ليس مما يمر مرور الكرام، إنه عمل صادم ومثير ومذهل ولا أحسب أن في وسع من يقرأه أن يتحرر بسهولة منه، لست أريد أن أتتبع ذلك لكن عن نفسي أقول إن روايتي الوحيدة المنشورة "تحليل دم" تحمل كثيراً أو قليلاً طابع الأسلوب الرشدوي).
                                                                       
    * وفي الرواية، يُمثل سليم الخيط الأساس الذي يشكل نسيجها وحوله تلتقي أحداثها وترتبط بلا فكاك حياته مع تاريخ الهند، ويُطلع باداما على الصحفات المنجزة من روايته التي يقوم بكتابتها، لنقرأ نحن في ذات الآن رواية (أطفال منتصف الليل) حكاية الهند واستقلالها وانفصال باكستان، أو رواية سلمان رشدي المولود في 1947 عام استقلال الهند وعام ولادة سليم أحمد سينا، بطل الرواية، الذي ولد عقب إعلان جريدة التايمز الهندية عن تقديم جائزة لمواليد صبيحة الاستقلال، ومعه يولد ألف طفل لم ينجُ منهم سوى خمسمائة وواحد وثمانين طفلاً، سوف تجهز على بعضهم لاحقاً أجهزة الدولة المختلفة، بواسطة جهاز نزع الأمل، ويحكي سليم لباداما كيف كان أولئك الألف طفل يلتقون في رأسه، ولهم في ذات الوقت حيواتهم وحكاياتهم التي تحدث في الرواية، مثل شيفا عدوه اللدود والساحرة بارفاتى، زوجته في ما بعد، ورغم أن الإخبار بمولد سليم يجيء عند منتصف الرواية، إلاّ أنه يتولى منذ الصفحة الأولى رواية حكاية (أطفال منتصف الليل).

*  ويحكي عائداً إلى جده لأمه، آدم عزيز الذي أكمل دراسته في الطب بألمانيا ورجع ليصدم بحال الحياة في الهند، حتى يلتقي بزوجته، في مشهد فريد يخبر عن براعة سلمان رشدي الأدبية وحدة سخريته وتهكمه، وقوة العادات والتقاليد وقدرتها على سحق الحياة وكتم أنفاس الإنسان، فقد مرضت ابنة الإقطاعي وتم استدعاء الدكتور آدم عزيز لمعاينة المريضة، فوجد مجموعة من النسوة العاملات بالمنزل وهن يحملن ملاءة كبيرة في وسطها ثقب قطره سبع بوصات، فلم يفهم عزيز في بداية الأمر ماذا يحدث، وسأل: أين المريضة؟! ويجيبه والدها، إنها هناك.. فتقدم عزيز وإذا بالنسوة حاملات الملاءة يتوجهن نحو الفراش الذي فوقه تستلقي المريضة، فسأل مرة أخرى مشيراً إلى النسوة والملاءة: ما هذا؟! فيجيبه الوالد: إنك رجل أجنبي، أتظن أنه يمكنك أن تجري فحصك مباشرة على جسد ابنتي، عليك أن تحدد الموضع الذي تريد فحصه، لتقوم النسوة بتوجيه ثقب الملاءة نحو الموضع المراد فحصه.

* وهكذا وجد الدكتور آدم عزيز العائد من ألمانيا نفسه منصاعاً لرغبة والد مريضته، وأصبح في كل مرة يعود فيها المريضة يجد النسوة والملاءة المثقوبة، وصار بمستطاعه عبر الثقب ذي السبع بوصات أن يطوف بعينيه على كامل جسد المريضة، بل ووقع في الحب، ومثله مثل مريضته صار أشد شوقاً لتلك الزيارت ومنتظراً لذلك اليوم الذي سوف يتم فيه استدعاؤه لمرض يمكن أن يصيب الوجه، فقد كان ذلك هو الجزء الوحيد الذي لم يره من جسدها.. أما الوالد فقد بدأ يغض الطرف عن هذه الزيارات وراح ينظر لتلك العلاقة العاطفية التي نمت وتطورت من خلف الحجاب. وعلى امتداد الرواية نجد الكثير من هذه الإستعارات الأدبية والمجازات الذكية، التي تخبر في ذات الوقت، عن ضغط الواقع في مفارقاته الموجعة والساخرة وسريان أحداثه اليومية على بني الهند أو كافة بني الإنسان.


26/4/2010

الأربعاء، 16 أغسطس 2017

ماركس شاعر الجدل



    
* ينظر كثيرون لكارل ماركس باعتباره فيلسوفا اجتماعيا وحسب، تدور أفكاره ونظرياته حول الاقتصاد السياسي كما جاءت في كتابه الشهير (رأس المال). ولكن فرانسيس وين في كتابه هذا، يُحاجج ليُظهر أبعادا أدبية لماركس ولكتابه رأس المال، إذ يسأل: (ماهو عدد الأشخاص الذين خطر لهم أن يدرجوا كارل ماركس في قائمة الكُتَاب والفنانين العظماء؟) ليقول إن كثيرين من قراء رأس المال اليوم وفي (حقبتنا مابعد الحداثية هذه) ربما يرون في سرده المتشظ وتقطعه الجذري (ضربا من الشواش والاستغلاق).  








عرض: أسامة عباس


* صدرت النسخة العربية لهذا الكتاب عن مكتبة العبيكان بالمملكة العربية السعودية في 2007 لمترجمها ثائر ديب، ينقسم الكتاب الذي جاء في 159 صفحة إلى مدخل وثلاثة فصول هي (الحمل / الولادة / الحياة اللاحقة) وفي المدخل الذي جاء بعنوان ( التحفة المجهولة ) يُخبر المؤلف أن كارل ماركس كان قد طلب من صديقه فريدريك إنجلز قبيل تقديمه مخطوطة الجزء الأول من رأس المال للناشر في 1867، والتي كان من المفترض تقديمها منذ 1846، طلب منه أن يقرأ قصة التحفة المجهولة لبلزاك، قائلا عنها أنها قصة مفعمة بالسخرية المبهجة، والقصة عن رسام عظيم أمضى عشرة سنوات في رسم لوحة، أراد لها أن تكون ثورة في الفن بتقديم أكمل تمثيل للواقع، لكن زميلي الرسام لم تعجبهما اللوحة عند رؤيتها، الأمر الذي أزعج "فرنهوفر" الرسام ودفعه لحرق لوحاته وإلى الانتحار. ويتابع المؤلف قوله بأن المفارقة المبهجة هي: أن وصف بلزاك لتلك اللوحة هو وصف كامل للرسم التجريدي في القرن العشرين، أي أن بلزاك كان يُقدم في القرن التاسع عشر، للفن الذي عُرف وانتشر في القرن العشرين، وأن ماركس كما يقول فرانسيس مثل فرنهوفر كان حداثيا وما وصفه الشهير للانخلاع في (البيان الشيوعي) إلا استباق لما رسمه ت.س إليوت في رجال مجوفين ومدينة وهمية ، ولما قاله ييتس (عن الأشياء التي تتداعى وعن المركز الذي لايقوى على الثبات).

* ويجيء الفصل الأول ( الحمل) متابعا لسيرة ماركس ولسيرة كتابه، مشيرا إلي أن رأس المال يُصنف عادة كعمل في الاقتصاد، مع أن ماركس لم يلتفت لدراسة الاقتصاد السياسي إلا بعد سنوات كثيرة من اشتغاله في مجالي الأدب والفلسفة. وقد كانت له في حياته الباكرة مطامح أدبية، إذ كتب ديوان شعر ومسرحية شعرية ورواية بعنوان (سكوربيون وفيليكس) أنجزها مفتونا برواية لورنس ستيرن (ترايسترام شاندي). ولكن ماركس طرح تلك التجارب جانبا مُقرا بهزيمته (فجأة، كأنما بلمسة سحرية - بل كانت اللمسة في البداية ضربة ساحقة - وقع بصري على عالم الشعر الحقيقي النائي مثل أرض الجن النائية، وتقوضت إبداعاتي جميعا وتلاشت...) لذلك لم يكن غريبا، كما يري المؤلف، أن يتحدث المال نفسه في (رأس المال) كيما يُبرر استغلال عمل الأطفال في المصانع.

* ويمتد فصل (الحمل) متابعا لحياة ماركس وعائلته التي هدها الفقر والمرض، وتأثير ذلك على تأخر صدور رأس المال، مرة بسبب نقص معرفة ماركس، كما يشير ماركس بنفسه، في بعض حقول المعرفة، الشيء الذي دفعه ليجلس في قاعة المطالعة بالمتحف البريطاني ويقرأ في كتب الاقتصاد والأعداد القديمة من مجلة الأيكونومست، وتارة لانقطاعه عن الكتاب والدخول في سجالات صحفية وجدالات عنيفة، لأنه يرى، أن الكذبة من الاشتراكيين – إن لم يُفَضحوا – أشد جذبا للجمهور من الملوك الحقيقيين.

* أما في الفصل الثاني (الولادة) فيتحدث المؤلف مناقشا بعضا من أفكار واكتشافات ( رأس المال) حول السلعة وقيمتيها الاستعمالية والتبادلية والعمل، واصفا تأمل ماركس حولهما بالمسهب والمتخطى للواقع باطراد، محاكيا رواية (تريسترام شاندي) لصاحبها ستيرن رائد ذلك الأسلوب المهلهل والمفكك والممتلئ بالتناقضات وضروب السرد المتكسرة والأطوار الغريبة، كما هو الحال في(رأس المال) ليسأل: (ولكن ماذا عن مكانة رأس المال الأدبية ذاته؟) قائلا بأن أحد الموانع ربما يكون في بنية الكتاب المتعددة الطبقات والصعب التصنيف، ليناقش أراء بعض القليلين من الذين تحدثوا عن (رأس المال) كعمل من أعمال الأدب، مثل الناقد المكسيكي لود فيكو سيلفا الذي تحدث عن الرأسمالية فيه ، كمجاز واستعارة وأنها صيرورة اغتراب تبعد الحياة، من الذات إلى الموضوع، ومن القيمة الاستعمالية إلى القيمة التبادلية، من الإنساني إلي الوحشي. وطبقا لهذه القراءة كما يقول المؤلف، يصبح الأسلوب الأدبي الذي اتبعه ماركس في كتابه، ليس مجرد قشرة خارجية ( بل يغدو اللغة الملائمة الوحيدة التي يمكن التعبير من خلالها عن طبيعة الأشياء الخادعة. ومشروعا كيانيا " أنطولجيا " لايمكن تقييده بحدود وأعراف جنس قائم كالاقتصاد السياسي أو الانثروبولجيا أو التاريخ. باختصار، فإن رأس المال هو عمل" فذ ، نسيج وحده " بكل ما للكلمة من معنى. فليس ثمة مايشبهه من قريب قبله ولا بعده، وربما كان ذلك هو السبب وراء ما لاقاه على الدوام من إهمال أو إساءة تفسير).

* وجاء الفصل الثالث والأخير ( الحياة اللاحقة ) متحدثا عن الترجمات المختلفة التي ظهرت في اللغات الاوربية، مثل اللغة الروسية التي جاءت كأول ترجمة للغة أوربية في سنة 1872، أي بعد خمسة سنوات من صدور الكتاب في اللغة الألمانية، لتليها الترجمة الفرنسية التي جاءت على حلقات، وبعد أربعة محاولات لم يقبلها ماركس، ليرى المحاولة الخامسة حسنة بوجه عام، قائلاً :( وجدت نفسي مضطرا لأن أعيد كتابة مقاطع كاملة بالفرنسية، لجعلها مقبولة ومستساغة). أما الترجمة الانجليزية فقد جاءت بعد وفاة كارل ماركس. كما تناول الفصل ردود الفعل والمواقف والنظرات التي جاءت عقب صدور الكتاب، في حينه أو في زماننا هذا، والتي لم تنظر في معظمها، طيلة المائة وأربعين عاما التي أعقبت صدوره، بحسب محاججة فرانسيس وين في كتابه هذا، للجانب الأدبي منه، رغم أن كارل ماركس كان ( ينظر إلى نفسه على أنه فنان مبدع ، شاعر الديالكتيك . وقد كتب إلى إنجلز في تموز 1865 : " والآن ، فيما يتعلق بعملي ، سوف أفضي إليك بالحقيقة الواضحة. مهما تكن العيوب القائمة في كتاباتي ، فإن مزيتها تكمن في أنها كلٌ فنيٌ " . ولقد تطلع إلى الشعراء والروائيين أكثر مما تطلع إلى الفلاسفة أو المحللين السياسيين باحثا لديهم عن تبصرات في دوافع البشر ومصالحهم المادية...)


18/4/2010

الثلاثاء، 14 مارس 2017

حديث صقلية



اسم الرواية: أطراف حديث في صقلية
المؤلف: إليو فيتوريني
المترجم: حسين محمود
الناشر: المركز القومي للترجمة-القاهرة
تاريخ النشر: 2012




عرض: أسامة عباس

* في ملاحظة تبدو تهكمية جاءت في نهاية الكتاب يقول المؤلف إن صقلية في إطار هذه المحادثة/الرواية ليست صقلية إلا بحكم الظروف، وقد بدا اسمها أقرب إلى سمعه وأفضل من إيران أو فنزويلا، وإن جميع المخطوطات بظنه يتم العثور عليها داخل زجاجات، وبالنسبة لنا نحن القراء، يمكن لصقلية أن تكون أيَّ مكان في هذا (العالم المُهان) كما يقول الراوي، وفي تقديمه للرواية يقول المترجم إن الرمزية التي وسمتها كانت الطريقة أو الأسلوب الذي لجأ إليه إليو فيتوريني، في أربعينات القرن الماضي يوم نُشرت الرواية، للهروب من بطش الرقابة إبان إيطاليا الفاشية، مقترحاً لقراءتها مذهبين أو مدخلين أحدهما النظر لتلك الرمزية كتأويل لمقاومة الفاشية، والثاني تبعاً لواقعية الحلم المرتكزة علي رؤى وهلوسات الراوي. 

* لاتوجد في الرواية مخطوطات يجب البحث عنها، لكن ذلك الإنتقال السريع والفُجائي للمقابلات التي تتم للراوي/سيلفسترو والحوارات الموحية المقتضبة والغريبة التي يديرها، مع أمه أو أخيه الذي عَلِم في الحلم بموته في الحرب، وكذلك في الأُسلوب المقتصد والجاف في كتابة/تصوير مايحدث دون الإخبار فعلياً بمايحدث، كل ذلك جعل من الرواية تبدو وكأنها تبعث مثل تلك الرسائل المخفية في زجاجات يلقيها موجُ البحر علي الشاطئ، وبالحصول على زجاجة وأخرى، أو بالتقدم في قراءة الرواية، يمكن فهم نسيج الحكاية وتقديم أفضل تفسير ممكن للأحداث. 

* تحت تأثير غيظ مجرد كان سيلفسترو يترنج والأيام تمضي والسنين تمر والسماء تمطر والمياه تتسرب إلي داخل حذائه المقطوع، ثم تأتيه رسالة أبيه فيقوم بدفع 250 ليرة من جملة راتبه البالغ 300 ليرة لشراء تذكرة ذهاب وعودة، ولانعرف إن كان خطَّط لزيارة أمه، أم أنه وجد نفسه هكذا معها في صقلية. تحت تأثير غيظٍ مجرد بسبب ضياع الجنس البشري كان يسافر، وفي القطار يستمع لحوار ذي الشوارب ودون الشوراب، رَجُلَيِّ الأمن، ويردد العالم مُهان والناس يعانون، بعد نزولهما يلتقي باللومباردي الكبير فيسأله هل شممت الرائحة؟ فيجيب سيلفسترو أي رائحة؟ يضحك الرجل والذين معه قائلين ألم تشم الرائحة؟ يضحك معهم حين يفهم أنهم يقصدون بالسؤال عن الرائحة ذي الشوراب ودون الشوراب. ثم يتحدث اللومباردي الكبير قائلاً إنه ليس في سلام مع الناس، وأنه يتمنى لو كان له ضمير حي وواجبات أخرى غير تلك الواجبات القديمة التي صارت معتادة.

* عند منتصف الرواية يزداد توتُّرُها وتبدو الجمل مقتضبة ومكررة لحد الإرهاق، أو مثل الطرْق المتواصل، ويختلط الحلم بالواقع في براعة، لا تكشف فقط عن قدرات المؤلف، بل تكشف أكثر عن القتامة وتنقل لنا الإحساس الخانق بأن العالم مُهان والبشر يعانون. يسأل سيلفسترو أمه التي تقوده معها إلى حيث تقوم بحقْن الناس في بيوتهم، مما يعانون؟ فترد في هدوء شئ من الملاريا أو شيئ من السل. وفي كل منزل تذهب إليه يسألها أهل المريض كم حقنةً عليه أخذُها؟ وهل سيشفى؟ لا ترد الأم على أي سؤال، وإنما تسأل هل أطعمتموه؟ فيجيبون سنطعمه خلال هذا اليوم أو غدا، فالناس فقراء كما تقول لإبنها بعد أن تسحبه خلفها لزيارة مريض آخر وتتردد نفس العبارات.


* يفلت سيلفسترو من قبضة أمه ليلتقي في الشارع بـ السنّان/الرجل الذي يبحث عن من يمكن أن يسِنَّ له مقصاً أو مديةً فلا يجد، حينها يقدم له سيلفسترو مطواة، يقوم السنّان بسنها له ويأخذه فرحاً إلى صديقه، قائلا لقد وجدت عنده مايمكن سنّه! فيأخذهما ذلك الصديق فرحاً إلى صديق ثالث ليحتفلوا جميعاً بسيلفسترو، كرجل يعاني من أجل العالم، في جلسة شرب، لكن سيلفسترو لا يعجبه الحال فيخرج متجها إلي بيت أمه، فيرى أنواراً غير تلك التي يعرفها، إذ كانت أنوار الموتى، ويجد نفسه منقاداً لصوتٍ لأخيه الذي مات في الحرب، ثم ينام ويستيقظ ولازال الوقتُ ليلاً، وعندما خرج من بيت أمه مسافراً، كانت الغربان تنعق في السماء والناس حوله يتساءلون لماذا هو يبكي؟ تابع سيره والناس حوله يتزايدون ويتساءلون إلى أن وصل حيث تمثال المرأة البرونزية العارية في الصرح التذكاريّ وأخذ ينظر إليها ويتفحّص جمالها وهي تبتسم والصقليون الذين حوله يتساءلون: وهل هو كثير أن نعاني؟.

الأربعاء، 2 نوفمبر 2016

فتيان الزنك




اسم الكتاب: فتيان الزنك-رواية وثائقية
المؤلفة: سفيتلانا أليكسييفيتش
المترجم: عبد الله حبه
الناشر: دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع-دمشق
تاريخ النشر: 2016




عرض: أسامة عباس


* حينما فازت سفيتلانا أليكسييفيتش بجائزة نوبل للآداب في العام الماضي ثارت الضجة، فقد ربط بعضهم فوزها بمعارضتها لكل من الرئيسين البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو والروسي فلاديمير بوتين، وربما كان ذلك الربط صحيحاً وتلك واحدة من رسائل لجنة نوبل، لكن لجنة نوبل صَدَقت حين سَمّت أدبها شاهداً على المعاناة والشجاعة، ويظهر ذلك جلياً في هذا الكتاب، الذي تعرضت المؤلفة بسببه للمحاكمة، وكذلك في كتابها (صلاة تشرنوبل). ورأى آخرون أن المؤلفة لاتمثل "حقيقة" الأدب الروسي أو البيلاروسي، وأنه لايمكن وضعها في خانة واحدة مع بوريس باسترناك الذي فاز بالجائزة في (1958) وألكسندر سولجنتسين الذي فاز بها في (1970)، وربما كان ذلك أيضا صحيحاً، في حال قَبِلنا بإرث نوبل المعلوم، وحده المعيار للفوز بالجائزة، لأن المؤلفة تكتب أدباً يستمد وجوده من الوقائع التاريخية ويعتمد على التحقيق الصحافي الاستقصائي، خلافاً لذلك الإرث. 

* وفي هذا الكتاب أصوات كثيرة تتحدث وليست ثمة حبكة روائية، اذ أفسحت المؤلفة المجال/السرد وتركته لجنود وأمهات وزوجات يخبرون تجربتهم مع الحرب السوفيتية في أفغانستان (1979-1989) فتنفتح بشهاداتهم أبواب للألم والتمزق ويظهر ذلك الواقع المخفي للحرب. أما (فتيان الزنك) فهُم أولئك الخمسة عشرة ألف قتيل، الذين كانت السلطات السوفيتية تعيدهم إلى بلادهم في توابيت صُعنت من الزنك. تقول المؤلفة إنها لم ترغب في الكتابة عن الحرب، لكننا في خضمها ورجالها في كل مكان، سألتْ أحد الجنود: لماذا؟ فرد: (هذا أمر يهمني، سأقول كنت عند نفق سالانغ) تقول يكتب الشاعر أبولينير: (آه، كم الحرب جميلة). تقول شاهدتْ معركة قُتل فيها ثلاثة جنود وفي المساء كان الجميع يتناولون عشاءهم، ولم يتذكر أحد المعركة والجثامين ترقد قريبة من المكان. تقول يلومها بعضهم بأنها لم تطلق رصاصة وتريد أن تكتب عن الحرب، ترد ربما كان ذلك أمراً حسناً، وتسأل أين ذلك الإنسان الذي يتألم لمجرد طرح فكرة الحرب؟ إنها لا تجده، لكنها رأت الجنود يتجمعون حول طائر ميت يحاولون معرفة فصيلته مُظهرين عليه الشفقة.

* يستهل الكتاب دخوله في زمن الحرب بمناجاة/شهادة أم نجا ابنها في أفغانستان، لكنه قَتَل أحدهم بسكين المطبخ فأودع السجن، فتطوف وتسال كل من تجده من الذين كانوا في الحرب، لماذا استطاع ابنها قتل إنسان؟ تجئ إجابتهم الباردة كما التالي: (معنى ذلك أنه وجد سبباً لذلك) وبعد سنوات يكتب لها ابنها من السجن أنه يكره ذلك الميت وتعرف أن الميت كذب بشأن حديثه حول أفغانستان. تقول لقد وُصِف أبناءنا بالأبطال لكن ابني (قاتل لأنه فعل هنا ماكانوا يفعلونه هناك، لماذا منحوهم الميداليات والأوسمة هناك، ولماذا حاكموه وحده ولم يحاكموا من أرسله هناك وعلَّمه كيفية القتل؟! أنا لم أعلّمه ذلك...) لقد أصبحتْ أم قاتل تقول إنها تحسد الأم التي عاد ابنها بلا ساقين، بل وتحسد إولئك الأمهات اللواتي يرقد أبناؤهن في القبور، إذ كانت ستجلس إلي جانب قبره سعيدة حاملة إليه الزهور.

* لايتذكر جندي شيئا بشكل منفرد، لكنه يتذكر وصايا عريفه وتعليماته، يقول: (عند تسلق الجبل إذا سقطت لا تصرخ. بل يجب أن تسقط صامتاً مثل حجر "حي". وبهذه الصورة يمكن أن تنقذ رفاقك) يقول لقد عاد من الحرب ودفن نفسه في الأحلام، لكنه يستقيظ أحيانا مرعوباً ولا يجد سلاحاً يطلق به النار على نفسه. وتُخبر إمراة كيف تعبت حتى تستلم جثمان زوجها، إذ كانت تتنقل من منطقة إلي أخرى بسبب خطأ في إرسال التابوت. تقول إنها عاشت بعد ذلك مع الذكريات، ثم رحلت مع إبنتها إلى مكان آخر، لكنها كانت تستيقظ في الصباح غارقة في العرق بسبب الرعب: (سيأتي بيتيا، بينما أنا وأوليتشكا نعيش في مكان آخر) طيلة ثمانية أعوام كان زوجها يأتيها في الأحلام وتقول له: (تزوجني مرة أخرى) تقول إنها أحبت زوجها حياً خمسة أعوام، بينما أحبته ميتاً ثمانية أعوام، تقول: (ربما أنا مجنونة..أنا أحبه).

* وفي نهاية الكتاب يُثبِّت المترجم عدداً من الوثائق حول المحاكمة التي تمت للمؤلفة، بعد أن قامت مجموعة من أمهات الجنود الذين قتلوا في افغانستان برفع دعوة قضائية ضدها، لأنها قدمت أولئك الجنود بخلاف مايعرف عنهم كأبطال، لكن المحكمة لم تثبت الإدانة بشكل كلي، بحجة أن الوقائع المنشورة لاتطابق الواقع. وفي كلمتها بخصوص المحاكمة تقول سفيتلانا أليكسييفتش إنها لم تكن تصدق بأنها سوف تتم، لكنها جاءت لتتبادل الحديث مع الأمهات وطلب المغفرة منهن، لأنه لا يمكن إيجاد الحقيقة بلا ألم، وتسأل (من نحن؟ ولماذا يمكن أن يفعلوا بنا أي شيء؟ إعادة الابن إلى الأم في تابوت من الزنك، ومن ثم إقناعها بأن تقيم الدعوي ضد الكاتبة التي كتبت كيف أنها - أي الأم - لم تستطع تقبيل ابنها في آخر مرة وغسله بالأعشاب... فمن نحن؟).






الثلاثاء، 18 أكتوبر 2016

زمن المذلولين



اسم الكتاب: زمن المذلولين-باثولوجيا العلاقات الدولية
المؤلف: برتران بديع
المترجم: جان ماجد جبور
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات-الدوحة
تاريخ النشر: 2015م




عرض: أسامة عباس


* من الميسور أن نرى الإذلال ورد الإذلال في العلاقة الاجتماعية التي تربط بين فرد وآخر، أو بين جماعة وأخرى، غير أننا في هذا الكتاب نراه ناشباً بين الدول والكيانات السياسية، فهو موجود بينها، لكنه بدءاً من القرن التاسع عشر أصبح يسم علاقاتها الدولية، ليتفاقم بعد نهاية الثنائية القطبية الأميركية السوفيتية، فيصير الناظم الأبرز لهذه العلاقات بين الدول، التي باتت تتحرك بين (الاعتراف المنشود والإذلال المفروض). وينظر المؤلف لهذا الإذلال باعتباره اختلالاً يحيق بالنظام الدولي، أو مرضاً اجتماعياً يمسك بخناق الحياة الدولية، التي صارت في زمان العولمة وانخراط المجتمعات والراي العام فيها "قضية اجتماعية"، حيث لم يعد مفتاح اللعبة الدولية بيد تلك النخبة "المنفصلة" والمخفية صراعاتها/مفاوضاتها عن المجتمعات، كما كان في السابق.

* تَشَكَّل مفهوم المجتمع الدولي، المنخرطة فيه اليوم كأفة أمم العالم، تحت وطأة حروب أوروبا التي دامت لقرون بين ممالكها المتصارعة، ولم تكن هناك حاجة للإذلال، فالحرب أو القوة وحدها كانت تُحَدد مَن الوضيع بين الأمراء المتنافسين والمرتبطين في ذات الوقت بأواصر القربي. وقد صنعت هذه القوة مبدأً تأسيسياً للعلاقات الدولية داخل أوروبا، لكن هذا المبدأ فَسَدَ، خاصةً خارج أوروبا، بدفع من ثلاثة عوامل هي: مفهوم الحرب العادلة غير العادل، وظهور قوى اجتماعية جديدة متنوعة الرؤى ومتعددة القوى تريد إعادة تقسيم السلطة/القوة، ثم في اكتشاف الأخر البعيد غير الأوروبي، فتزعزعت بسبب هذه العوامل هيبة تلك القوة وقدرتها لأن تكون مبدأ/آلية للتوازن بين القوى المختلفة، ليُستعاض عن ذلك بالإذلال، الذي يتم عبر أربعة نماذج هي كما التالي: الإذلال بواسطة الانتقاص/ إنكار المساواة/ الإقصاء/ الوصم.

* تعود جذور الإذلال الموجود في النظام الدولي الحالي إلى فترة الاستعمار، حيث رسخت لامساواة تأسيسية في بلدان عديدة، على المستوى القانوني والاقتصادي والاجتماعي، تمثلت في سن قوانين استثنائية لاعلاقة لها بالقانون، طالت الحياة اليومية للأشخاص وكرست اللامساواة بينهم، مثل تلك اللائحة، غير المسبوقة، للمخالفات، كـ "تصرف قليل الأدب" و"اجتماع من دون تصريح" و"إذن سفر غير صالح" و"تصريحات مهينة"، لتكون النتيجة تشويه صورة القانون والتصرف كيفما اتفق تجاه قيمة احترام الفرد، واللامساوة الناشبة إلى اليوم في جسد أنظمة حكم تلك الدول. أيضا شمل الإذلال الكثير من قادة هذه الدول، الذين كان معظمهم في بداية حياتهم مشدودين الي الغرب وقيم الحداثة والعلم، كما يرد في سيرهم التي قدمها المؤلف، لكنهم جميعاً عانوا من الصد، فاختاروا أن يقودوا النضال في بلادهم، التي عادت مرة أخرى ترزح تحت نير الإذلال، بدخولها في علاقات زبونية لا سيادة فيها مع الدول الكبرى.

* يطال الإذلال دولاً في أوروبا كانت تتوقع ان يتعاظم دورها بعد نهاية الثنائية القطبية، لكن دورها أصبح أضعف مما كان، إذ صارت تحت عباءة الأحادية القطبية الأمريكية تعاني الأقصاء، لتكون أوروبا بذلك ولأول مرة في العصر الحديث، ليست ساحة معركة العالم. ويشترك معها في تجرع كأس الإذلال، كل من تركيا والبرازيل والهند والصين وروسيا وجنوب أفريقيا، المُصنفة بـ "القوى الناهضة" في أشارة تحمل شيئاً من الازدراء والمفارقة، لأن الصين صاحبة أقدم نظام سياسي عرفه العالم، وروسيا كانت قوة عظمى، لذلك كان رد تلك الدول عنيفا على هذا الإذلال، كعبارات وزير خارجية تركيا للاتحاد الاوروبي بعد تنديده بالعنف ضد متظاهري ساحة تقسيم. أو رد الصين ذي الدلالة، حين جعلت جنودها يسيرون 169 خطوة، في الاستعراض العسكري للذكرى الستين لتأسيس الصين الشعبية في 2009م، لتُطابق خطواتهم عدد تلك السنوات التي تفصل الصين عن حرب الأفيون الأولى التي شنتها ضدها بريطانيا في عام 1840م. 

* دفع الإذلال لظهور نمط دبلوماسية رد "خارجة عن النظام" تَتَدرج من الاعتراض إلى الجنوح، تقودها بعضاً من دول الجنوب. كما ساهم الإذلال في اطلاق القومية الجديدة والاصولية والانتفاضات، كالتي انطلقت في العالم العربي، في تأكيد على شيوع الاذلال واشارة على انخراط المجتمعات في اللعبة الدولية، ليقوم ذات الإذلال الذي ساهم في قيام تلك الحركات بتكبيلها، إذ جعلها تتحرك متراوحة، بين الرغبة في تقليد "الغرب المُذل" والارادة في التصدي له، ليتمدد العنف أو الصراع، الذي لم يعد كما كان في السابق، ينشب بين دول ذات جيوش منظمة متساوية، بل صراع المجتمعات وقد دخلت في الساحة الدولية، فأصبح لابد من (تكوين معرفة جديدة لطرائق بناء السلام) كما يقول المؤلف.





السبت، 27 أغسطس 2016

الجمهور




المؤلفان: أنطونيو نيغري و مايكل هارت

المترجم: حيدر حاج اسماعيل







* الجمهور في هذا الكتاب، ليس لتحليله سيكولوجياً أو عبر غيره من المناهج لمعرفة ماهيته، بل ينظر الكتاب للجمهور، كأمكانية يجب أن تكون وهي مما يلزم، ليصير قوة ضد (القوة الشبكية) المسيطرة اليوم، والتي لاتمثلها دولة قومية بعينها، وإن تعاظمت درجات سلطة بعض الدول أو انعدمت عند أخرى. والجمهور بحسب المفهوم الذي يقدمه الكتاب: هم جميع من يعملون تحت حكم الرأسمال، وفي ضمنه بالتالي تلك الطبقة من من يرفضون حكم الرأسمال وسيطرته، وانه بخلاف مفهوم الطبقة العاملة يتسع الجمهور للطبقات المستغَلة جميعها، دون حيازة طبقة معينة لحق أمتياز النضال، فجميع تلك الطبقات تشترك في مقاومة سيطرة الرأسمال، وأنه أي المفهوم/الجمهور قائم على سؤال ماذا يمكن أن يصير الجمهور؟ وليس ماهو الجمهور؟. ولتعيين فرص ذلك الجمهور المتنوع والذي لا يمكن اختزاله، ينظر الكتاب، في الحرب الدائمة المستعرة اليوم، بغرض دوام قوة الشبكة وليس من أجل السلم. وينظر للديمقراطية التي لم تعد نسبتها إلى دولة أو نظام ممكنة، بعد انتهاء "الحرب الباردة" بين المعسكرين "الاشتركي" و الرأسمالي، لتصير الديمقراطية بالتالي، ذلك الأمل الطليق الذي يجب اكتسابه. أما مؤلفا هذا الكتاب فأحدهما إيطالي (أنطونيو نيغري) من مواليد 1933م والآخر أمريكي (مايكل هارت) من مواليد 1960م، وقد كتب الأول أكثر كتبه تأثيراً من وراء القضبان، إذ سُجن ثلاثة عشرة عاماً، بسبب اتهامه بأنه الرأس المخطط للألوية الحمراء الإيطالية، تلك المنظمة اليسارية (1970-1988) التي تبنت الكفاح المسلح منهجاً لها. ويشترك المؤلفان في تبنيهما للماركسية كموقف ينطلقان منه للنظر في موضوعات هذا الكتاب، الذي صدر في اللغة الانجليزية عام 2004م، وصدرت ترجمته العربية بفضل من حيدر حاج اسماعيل، عن المنظمة العربية للترجمة ببيروت في 590 صفحة عام 2015م.