الخميس، 20 أغسطس 2015

الثقافة كدين




اسم الكتاب: إدوارد سعيد والمؤثرات الدينية للثقافة

المؤلف: وليام د.  هارت
المترجم: د. قصي أنور الذيبان
المراجع: د. أحمد خريس
الناشر: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث - كلمة
سنة النشر: 2011م




عرض: أسامة عباس



* في عام 1985 دار سجال بين مايكل فالزر اليهودي الأمريكي وإدوارد سعيد الفلسطيني الأمريكي، حول كتاب الأول عن قصة خروج العبرانيين/ اليهود من مصر وغزوهم لأرض كنعان/ فلسطين، لكن سعيد لم يقبل قراءة فالزر لذلك الخروج بأنه كان قصة حول الثورة، فشن مايسميه وليام هارت هجوما بالستياً على الكتاب. بيد أن مارأه هارت في ذلك السجال ومايحاول بسطه في هذا الكتاب، هو تمظهر ذلك الاشتباك الديني/العلماني لدن إدوارد سعيد الناقد العلماني، فيصيغ أربعة أسئلة لتحليل هذا الاشتباك: هل الدين وصفة جيدة للتضامن الإثني والعرقي والقومي ولماذا تتحول النقاشات المتعلقة بها الى نقاشات متعلقة بالدين؟. هل الوعي الديني والوعى النقدي غير متوافقين ليصبح الالتزام الديني تسوية للنقد الراديكالي؟. هل اكتمل نقد الدين كما قال ماركس وهل سيكتمل مستقبلا؟. ما هي نوع العلاقات الملائمة التي يمكن أن تربط النقاد العلمانيين مع الدين؟.


* يتضامن المؤلف مع إدوارد سعيد في ذلك السجال، لكنه يضع مسافة بينهما ليفحص هذا الاشتباك من خلال ما أنتجه سعيد، قائلا إنه خلافاً لمعظم النقاد العلمانيين حمل طوعاً عبء سؤال الدين، كما نظر إلى الثقافة كـ "مظلة مقدسة تَحوي وتُقصي في الوقت ذاته". لينطلق من خلال مايسميه بالمؤثرات الدينية للثقافة، أو التديّن الثقافي، للنظر في مفاهيم الثقافة والقومية والاستشراق والامبريالية عند سعيد وغيره من المفكرين، مناقشاً ما بداخل تلك المفاهيم، من تصورات عن الإيدلوجيا والطبقة والعرق، في إرتباطها مع الدين، وكمعميات أصبحت قارة، لتكون بالتالي محل نقد إدوارد سعيد، لما فيها من أشكال وعي زائف وإدراك خاطئ، ولأنها صارت نظام من التمثيلات يعمل على تعمية العلاقات الاجتماعية، ولأنها أصبحت الأوثان الجديدة للتبجيل.


* للنظر في رأي إدوارد سعيد حول التزام المثقف بقول الحقيقة للسلطة، يعود المؤلف لمناقشة حوار دار في سبيعنات القرن الماضي حول "الطبيعة الانسانية: العدالة أو القوة؟" بين نعوم تشومسكي وميشيل فوكو الذي يرى إن الحقيقة والسلطة هما الشئ نفسه، فيقول هارت إن الفرق بين فوكو المتأثر بنيتشه وتشومسكي الذي يناصره سعيد، يكمن في أن فوكو راديكالي معرفي "مهووس بنوع مستحيل من أنواع الذات الثقافية أكثر من هوسه بمجتمع جيد .." وإنه محبط تحكمه معايير الحالم المثالي، في حين تشومسكي راديكالي سياسي، يخضع لمعايير المحارب السياسي. ثم يقول إن فوكو يرى في موت الإله موتا للإنسان، ليكون إدوارد سعيد بالتالي ربما أقرب إلى نيتشه الذي يعتقد في قول الحقيقة وإن لم تكن للسلطة، من فوكو وريث نيتشه المفترض.


* يوافق هارت إدوارد سعيد في رؤيته لمفاهيم مشيل فوكو وجاك دريدا وتيارات مابعد الحداثة ومابعد البينيوية بكونها أخروية مسيحية وعودة للتدين المكبوت، لكنه يرفض عد العلمانية أنها الآخر للدين، إذ لايمكن برأيه فهم العلمانية دون الدين، فماركس ونيتشه لا وجود لهم لولا اليهودية والمسيحية، ولا وجود لإدوارد سعيد لولا الأخرويات الدينية المتنازِعة في فلسطين، ولا المسيح الدجال لولا المسيح. كما يرى أن التمايز بين العلمانية والدين لا أهمية له في النقد الراديكالي، فالمهم هو نقد تلك الاشياء المشتركة بينهما: الدوغمائية والتقيد الفكري وإلقاء المسوؤليات والسلطة المستبدة والسلطة المقيدة للحريات والرياء والكذب. ثم يقدم تصوره  للبراغماتية و للتدين في معرض مناقشته لعدد من المفكرين الأمريكيين، ليقول إنه يمكن للمرء أن يكون علمانياً ومتديناً في آن، فالدين لا يشكل مشكلة إلا عندما يقوم بعلاج ما يمكن للسياسة أو الدواء أو التكنولوجيا ان تقوم به بشكل افضل.


* وفي ختام كتابه يعود وليام هارت لسجال سعيد ومايكل فالزر، رابطاً له بنزاع كان قد دار بين جان بول سارتر والبير كامو في خمسينات القرن الماضي حول الجزائر، ليتجدد ثانيةً بين فالزر وسعيد، قبل نزاعهما حول قصة الخروج، فالوضع في الجزائر، بحسب المؤلف، يماثل وضع فلسطين وإسرائيل المعاصر بالنسبة للاثنين.

الخميس، 13 أغسطس 2015

الذاتية في العمل الصحافي





اسم الكتاب: تجليات الذاتية في العمل الصحافي

أحد عشر درساً حول دور الأفراد في إنتاج الخبر
المؤلف: سيريل لوميو
المترجم: عز الدين الخطابي
الناشر: المنظمة العربية للترجمة - بيروت
سنة النشر: 2015




عرض: أسامة عباس


* يحصر هذا الكتاب نقاشه أو يُسلط نظرته، بواسطة باحثين اجتماعيين، على الصحافي/ة ووسائط الاعلام في فرنسا، عبر حالات/ نماذج مُتعينة منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا. لكن الكتاب برغم هذا الحصر يكشف، 
حول مسائل الذاتية والحرية واختيار مهنة الصحافة والابتكار فيها، الكثير مما يمكن تعميمه على كأفة الوسائط الاعلامية، وذلك من خلال قسميه (مجالات المناورة/ حب المهنة) اللذين ضما 11 فصلا قدمها 11باحثا وباحثة، عن صحافيين وصحافيات ووكالات أخبار وقنوات تلفزة وشبكات انترنت، ولم يعتمد هؤلاء الباحثون، أيا من الأطروحتين القائلتين: بـ إما الخضوع التام أو الحرية الكاملة، للصحافي/ة في المؤسسات الإعلامية، لأنهما كما يرون ليست واقعيتين ولا تُبرِزان ما يحدث بالفعل في صالات التحرير. 

* لا تتمثل الإكراهات التي يواجها النشاط الصحفي/المهني في الامتثال لما يريده أصحاب المؤسسة فحسب أو رئيس التحرير الموجود غالبا تحت اشرافهم، فهناك إكراهات أخرى يبحث فيها الكتاب، كاشتراك مهنيين ذوي تخصصات مختلفة، منهم مديري أعمال لاعلاقة لهم بالصحافة ومسوقين اعلانيين، يساهم كل منهم بجزئية في المنتج الاعلامي، ثم في اضطرار الصحافي/ة للعمل وفق الزمن المحدد لتسليم المادة ووفق الحجم المحدد سلفا لمقياس المادة حتى لو اقتضى الامر تقليص حجم المادة لتناسب ذلك المقياس. أما الاستقلالية فيتحدث عنها مؤلفو الكتاب، في ذلك المستوى الصراعي/ التفاوضي بين المؤسسة والصحافي/ة ثم بين المصادر والجمهور، إذ لا يمكن النظر الى الاستقلالية من خلال ذلك التعارض البات بين الفرد والمؤسسة المنتجة.


*  يقدم الكتاب تجربة موقع ميدبار الاخباري الالكتروني، في فرنسا، الذي تأسس في عام 2008 للإفلات من قبضة المؤسسة ورأس المال بواسطة أربعة صحفيين بينهم إيدوي بلينيل رئيس تحرير جريدة لوموند السابق وصاحب كتاب من أجل المسلمين، يقدمها كنموذج جديد للصحافة بعد انتشار الانترنت. إذ يتيح الموقع لقرائه الفرصة ليكونوا شركاء ومؤلفين في انتاج الخبر الذي يباع لهم، فالموقع يعتمد فقط على مايدفعه مشتركيه من مال، مع تغيير كامل في حسابات مقياس الزمن وحجم المادة، فلا يلاحق الموقع أي خبر، بل يتابع عددا قليلا من الأخبار المُختارة يعمل عليها خلال اليوم، مع اشتغال المحررين في أكثر من عمل من حيث التحرير والتقنية الرقمية، الشئ الذي يرفع مستوى الاستقلالية والقدرة الابداعية، كما يعطي الشعور بامتلاك عملية الانتاج. 


* وفي الفصل المخصص لجان هيبوليت دو فيلميسان صاحب جريدة لوفيغارو الفرنسية، يرى الباحث أنه كان ينظر كتاجر للصحف التي أنشئها، أي باعتبارها منتوجات يجب العناية بشكلها وليس بمضمونها كي ترضي الزبون. وقد جاء فيلميسان أصلا، كما نقرأ في هذا الفصل، إلى عالم الصحافة بالصدفة بسبب صداقته لأحد المتعاونين بالصحافة، بعد تجارب تجارية عديدة فاشلة. ليقول الباحث إن هذا التصور التجاري أو الرهان العملي لفيلميسان ولأخرين، يمثل تغييرا في التحديد الادبي للصحافة، ليصير الصحافي/ة في هذا التصور، ليس مطالبا بالتفكير ككاتب يحمل رسالة تنوير الرأي العام، بل بكونه مجرد متعاون في مقاولة ذات هدف تجاري.


* ويتناول فصل (حفاظ المرء على مهنته كصحافي...) مسيرة حياة صحافي وجد نفسه مضطراً لتقديم استقالته من الجريدة التي عمل بها لأكثر من ثلاثة عقود، بعد تبدل ادارتها وتغير نظرتهم للعمل الصحافي. وذلك من خلال تسليط الضوء علي الطريقة التي كافح بها هذا الصحافي لممارسة مهنته كصحافي وانشائه لموقع الكتروني.. ليختم الكتاب قوله بانه أراد من خلال تلك البحوث الأحد عشر التي قدمها انه يمكن تحليل ظواهر مثل الشخصية والابتكار وحرية الاختيار بوصفها ظواهر اجتماعية.